الشرعية الفلسطينية في خطر 1/ 2
تاريخ النشر : 2015-08-22 16:22

بقلم - الدكتور أنيس مصطفى القاسم :

هذا مقال اكتبه وأنا اعاني من الألم والغضب والحيرة فيما صرنا إليه. فقد قُدر لي أن أكون رئيس اللجنة التي وضعت الميثاق الوطني الفلسطيني في المؤتمر التأسيسي لمنظمة التحرير عام 1964. وقدر لي بعد قيام المنظمة أن أكون أول رئيس للجنة القانونية في المجلس الوطني إلى أن استقلت احتجاجا على محاولة تعديل الميثاق. وفي هذا كله كان حرصي الدائم على حماية الشرعية الفلسطينية، فالشرعية هي السند الأكيد للقضية الفلسطينية التي نواجه بها العالم كله ونتحدى بها خصومنا، وعدم احترامها في مسيرتنا ومؤسساتنا يطعن في مصداقيتنا ويباعد بيننا وبين انصارنا، وهم كثر في هذا العالم. والشرعية الفلسطينية تتمثل في منظمة التحرير الفلسطينية، وكل اعتداء على هذه الشرعية أو تهاون فيها أو تناور حولها هو اعتداء على القضية.

1. ومن هذا المنطلق أكتب هذا المقال.

2. وصلتني بتاريخ 20 من الشهر الحالي (آب 2009)، بصفتي عضوا في المجلس الوطني الفلسطيني، دعوة لحضور اجتماع للمجلس يعقد يوم 26 من هذا الشهر في مقر المقاطعة برام الله. وحددت الدعوة جدول الأعمال في بند وحيد هو "اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية" كما أشارت إلى الفقرة (ج) من المادة 14 من النظام الأساسي لمنظمة التحرير. ولا أخفي على القارئ الكريم أنني سررت لأنه وقع، بقضاء الله وقدره، ما جعل دعوة المجلس للإنعقاد ضرورة لا مفر منها، بعد تغييب له دام حوالي عشرين عاما، لم تنجح خلالها محاولات الفصائل لعقد هذا الإجتماع ولا المطالبات بذلك من جانب الحريصين على ابقاء المنظمة نشيطة فاعلة حماية لها من الإندثار، الأمر الذي يفقد الشعب الفلسطيني الكيان الذي اعترف به العالم ممثلا له، ونقل القضية الفلسطينية من قضية لاجئين إلى قضية شعب يناضل لاسترداد وطنه وحقوقه في هذا الوطن. والذي حدث قضاء وقدرا هو وفاة الدكتور سمير غوشه، عضو اللجنة التنفيذية، رحمه الله، بعد أن كان القدر ذاته قد تدخل أيضا لإنقاص عدد اعضاء اللجنة التنفيذية، بحيث أصبح عدد الأعضاء الذين انتهت عضويتهم في اللجنة لسبب أو لآخر يزيد على الثلث.

وفي هذه الحالة أصبح لا مفر من استكمال العضوية للحفاظ على شرعية اللجنة التنفيذية وشرعية اعضائها ورئيسها في تمثيل المنظمة، وبالتالي تمثيل الشعب الفلسطيني في المحافل الدولية وفي المفاوضات وتوقيع الإتفاقيات. وهذه الشرعية لا تتحقق إلا بوجود لجنة تنفيذية مستوفية للشروط والأوضاع المقررة في النظام الأساسي لمنظمة التحرير، ويكون ذلك بانتخاب أعضاء جدد من قبل المجلس الوطني.

لقد حدث الكثير الكثير مما يمس القضية الفلسطينية في العشرين سنة الماضية، خاصة بعد اوسلو واتفاقياتها، وكامب دافيد وطابا وخارطة الطريق وانابوليس، وتغييب قائد الثورة والمنظمة، رحمه الله، ومع ذلك لم يدع المجلس الوطني للإنعقاد. لم يدع المجلس للإجتماع ولو مرة واحدة ليستمع ويناقش تقريرا واحدا من اللجنة التنفيذية أو لانتخاب لجنة جديدة عساها أن تكون أقدر على مواجهة المستجدات وتصحيح ما وقع من أخطاء، أو على الأقل لتجديد دمها، خاصة وأن قدراتها وتوجهاتها قد انكشفت للعدو، بحيث صار يعرف تماما كيف يستغل ذلك كله لمصلحته في المفاوضات التي اجراها والإتفاقيات التي ابرمها. وقد استفاد العدو في هذا كله من التغييب المتعمد للمساءلة والمحاسبة التي يقوم بهما المجلس الوطني الفلسطيني.

في هذه الأثناء تغيرت حكومات وقيادات وبرلمانات في اسرائيل، وكلها جاءت بهمم جديدة وكفاءات ونشاط متجددين، بنت على ما تحقق من انجازات، وتقدمت لتحقيق انجازات جديدة، مستفيدة في ذلك من وضع فلسطيني لم يتغير، ومن خصائص لممثلي الشعب الفلسطيني عرفها حق المعرفة وأتقن استغلالها.

ونتيجة لهذا تنقل الوضع الفلسطيني من سيء إلى أسوأ، ومع ذلك بقي القائمون على الأمر في مواقعهم، بنقاط قوتهم ونقاط ضعفهم وقدراتهم، وكأنهم قادرون على انتاج غير ما أتاحته لهم نقاط القوة ونقاط الضعف والقدرات تلك من انتاجه.

وهذه ظاهرة بشرية عامة، لا ينفرد بها أبناء الشعب الفلسطيني أو من يمثلونه، اذ أن كل انسان لا يستطيع أن ينتج غير ما هو قادر على انتاجه. ولذا تحرص الشعوب الواعية على ضمان تغيير من يتولون سلطة القرار والتصرف، وهذا ما سعى إليه النظام الأساسي لمنظمة التحرير. ومع الأسف الشديد فإن هذا النظام لم يحترم، وحلت ظاهرة الديمومة محل ظاهرة التغيير، أسوة، مع الأسف، بالسائد في الأنظمة العربية.

3. وفي الوقت الذي سررت فيه بهذا التحرك لأنهم تذكروا أن هناك جهة تسمى المجلس الوطني، فقد ساءني جدا نطاق هذا التذكر. فالمجلس لم يُدعَ للنظر في كل ما طرأ وتقييمه واجراء المحاسبة عليه واعتماد سياسة ومخططات وبرامج تسير عليها المنظمة لمواجهة ما طرأ، أو لإحداث تغييرات تتعلق بالأداء والقائمين عليه، وانما دُعِيَ فقط لملء الشواغر في اللجنة التنفيذية، دون أن يتضمن جدول الأعمال على الأقل بندا يتطلب من هذه اللجنة التنفيذية تقريرا عن ما انجزته يبرر بقاءها أو بقاء من بقي من اعضائها، بحيث تتوفر الثقة في أن هذه اللجنة قادرة على النهوض بالمسؤوليات الضخمة التي تتطلبها قيادة النضال الوطني في معركة التحرير التي يخوضها الشعب الفلسطيني، ومواصلة هذا النضال لاسترداد الحقوق.

وهذا أمر يثير الدهشة والإستغراب، وكأنما المطلوب من المجلس الوطني أن يبصم على كل ما جرى في السنوات العشرين الماضية دون حتى أن يعرف، ولو من باب العلم فقط، من المسؤولين انفسهم حقيقة ذلك.

ويؤلمني أن أقول إن هذا استخفاف لا مثيل له بدور المجلس الوطني الذي هو أعلى سلطة في منظمة التحرير، ومحاولة لتعطيل المجلس عن ممارسة اختصاصاته، ويبرر عنوانا وضعناه لمقال نشر في "القدس العربي" بتاريخ 3 مايو/أيار 2008 هو "تغييب المجلس الوطني الفلسطيني يعني الموت البطيء لمنظمة التحرير".

4. فضلا عن هذا، وحتى في الإطار الضيق الذي حدد لجدول الأعمال، فقد ازداد الأمر تضييقا، تزداد معه التساؤلات، باستناد الدعوة على حكم استثنائي من أحكام النظام الأساسي لمنظمة التحرير لمعالجة الوضع القائم وهو الفقرة (ج) من المادة 14 من النظام الأساسي، مع الاستبعاد الكامل لبقية فقرات هذه المادة التي تعالج حالة الشغور في عضوية اللجنة التنفيذية.

والفقرة (ج) هذه هي استثناء من القاعدة، كما سنوضح فيما بعد، ومن المعروف لرجال القانون جميعا أن الإستثناء لا يُلجأُ إليه إلا إذا استحال تطبيق القاعدة العامة، والقاعدة العامة في ملء الشواغر وفقا للنظام الأساسي لمنظمة التحرير قد وردت في الفقرتين (أ) و (ب) من المادة 14 ذاتها. والهدف من وراء الإعتماد حصرا على هذا الإستثناء ينكشف عند تحليل هذه الفقرة وبقية فقرات المادة 14.

5. لمتابعة البحث فإننا ننقل للقارئ الذي قد لا يكون لديه نسخة من النظام الأساسي لمنظمة التحرير المادة 14 التي عالجت نصوصها حالة شغور عضوية اللجنة التنفيذية. تنص هذه المادة على ما يلي: "تؤلف اللجنة التنفيذية من أربعة عشر عضوا بمن فيهم رئيس مجلس ادارة الصندوق القومي الفلسطيني. واذا شغرت العضوية في اللجنة التنفيذية بين فترات انعقاد المجلس الوطني لأي سبب من الأسباب تملأ الحالات الشاغرة كما يلي:

(أ) اذا كانت الحالات الشاغرة تقل عن الثلث يؤجل ملؤها الى أول انعقاد للمجلس الوطني.

(ب) اذا كانت الحالات الشاغرة تساوي ثلث أعضاء اللجنة التنفيذية، أو أكثر يتم ملؤها من قبل المجلس الوطني في جلسة خاصة يدعى لها خلال مدة لا تتجاوز ثلاثين يوما".

ثم جاءت الفقرة (ج) التي استند اليها في الدعوة كمصدر قانوني لتنفيذ جدول الأعمال والإلتزام به. تنص هذه الفقرة على ما يلي: "في حالة القوة القاهرة التي يتعذر معها دعوة المجلس الوطني إلى اجتماع غير عادي يتم ملء الشواغر لأي من الحالتين السابقتين من قبل اللجنة التنفيذية ومكتب المجلس ومن يستطيع الحضور من أعضاء المجلس وذلك في مجلس مشترك يتم لهذا الغرض ويكون اختيار الأعضاء الجدد بأغلبية اصوات الحاضرين".

6. وأول ما تجب ملاحظته هو أن المجلس الوطني وحده هو المختص بملء الشواغر مهما بلغت. وهذا وارد في الفقرتين (أ) و (ب). فاذا كانت الشواغر تقل عن الثلث فإن ملأ الشواغر ينتظر حتى أول انعقاد للمجلس الوطني، ولا ضرورة لدعوة المجلس لاجتماع خاص لاستكمال العضوية. ولا ضرر من هذا الانتظار حيث أنه يفترض أن النظام الأساسي سيحترمه رئيس المجلس واللجنة التنفيذية بدعوة المجلس للانعقاد في دوراته السنوية التي نص عليها النظام في المادة 8 منه.

وفي هذه الحالة يقوم المجلس بملء الشواغر. غير أن هذا النص لم يحترم، اذ أن المجلس الوطني لم يُدْعَ للإجتماع في دوراته السنوية بحيث يملأ الشواغر عندما وقعت، وعندما كانت تقل عن الثلث. والمجلس الوطني عندما يجتمع يجب أن يكون اجتماعه صحيحا بتوفر النصاب القانوني لصحة الاجتماع، وهو حضور ثلثي الأعضاء، وأن تكون قراراته صحيحة باتخاذها بأغلبية أصوات الحاضرين (المادة 12 من النظام الأساسي لمنظمة التحرير).

7. وتراكمت الشواغر بسبب عدم دعوة المجلس الوطني للإجتماع، وبلغت الآن ثلث الأعضاء أو أكثر. وفي هذه الحالة تطبق القاعدة المنصوص عليها في الفقرة (ب) من المادة 14. وبمقتضى هذه الفقرة يدعى المجلس الوطني لجلسة خاصة خلال مدة لا تتجاوز ثلاثين يوما للنظر في الموضوع. وفي هذه الحالة أيضا تطبق الأحكام الخاصة بصحة انعقاد المجلس بتوفر النصاب القانوني الذي اشرنا إليه، وتتخذ القرارات بالأغلبية المنصوص عليها. ولكن الدعوة التي وجهت لأعضاء المجلس لم تشر إلى هذه الفقرة التي تعالج الوضع الذي طرأ صراحة وبالنص، وإنما اعتمدت على الفقرة (ج) من المادة 14.

8. مؤدى هذا كله أنه سواء كانت الشواغر أقل أو أكثر من الثلث، فإن المجلس الوطني هو وحده صاحب الحق الأصيل في ملء الشواغر، وليس أية جهة أخرى، حتى ولو كانت تضم رئاسة المجلس واللجنة التنفيذية وبعض اعضاء المجلس. وهذا أمر طبيعي يستند إلى الشرعية الفلسطينية التي تقضي بأن المجلس الوطني وحده هو الذي يختار اللجنة التنفيذية، وهي مسئولة أمامه. ومن يختار الكل يختار البعض، وهذا ما أكدت عليه الفقرتان (أ) و (ب) من المادة 14 كما بينا فيما تقدم.

9. ثم جاءت الفقرة (ج) من المادة 14 لتعالج وضعا استثنائيا لاستكمال العضوية بحيث لا تبقى شواغر. وهذا الوضع الإستثنائي قد نُص عليه بدقة وإحكام في هذه الفقرة منعا لاحتمالات الإلتفاف حول القاعدة الأصلية التي وردت في الفقرتين (أ) و (ب) والخروج بذلك عن الأصل وهو أن المجلس الوطني مجتمعا اجتماعا صحيحا هو صاحب القرار في ملء الشواغر.

وطبيعي أن يكون هذا الإستثناء عندما تتعذر دعوة المجلس الوطني للإجتماع لممارسة اختصاصه في ملء الشواغر. وزيادة في الإحتياط، فقد نصت هذه الفقرة على طبيعة العوامل والأسباب التي تحكم هذا التعذر بحيث لا يصح الإستناد لأية عوامل أو اسباب أخرى مهما كانت، واستعملت لذلك اصطلاحا قانونيا له مدلوله في القانون ويفهمه الرجل العادي، ونصت عليه في مطلع الفقرة (ج) على وجه التحديد كما يلي: "في حالة القوة القاهرة التي يتعذر معها دعوة المجلس الوطني الى اجتماع غير عادي الخ".

وبدون الخوض في التعريف القانوني لعبارة "القوة القاهرة" فإن طبيعتها وأثرها قد بينتهما هذه الجملة بوضوح، وهو أن يتعذر معها دعوة المجلس الوطني إلى اجتماع غير عادي، فإذا أمكن دعوة المجلس للإنعقاد فإنه لا تكون هناك قوة قاهرة، وعندئذ لا يجوز تطبيق هذه الفقرة. فالقوة القاهرة إذن التي تطبق في هذا الخصوص تتعلق بإمكانية دعوة المجلس للإنعقاد، لا بأي شيء آخر. ومن الأمثلة على ذلك أن يعجز رئيس المجلس عن ايجاد مكان يمكن للمجلس أن يعقد اجتماعه فيه، بعد أن يبذل جهده في البحث عن هذا المكان. وكذلك إذا وجد جميع أو غالبية أعضاء المجلس الوطني في بلد واحد أو أقطار مختلفة، وكانت حكومات تلك الأقطار تمنعهم من السفر إلى المكان الذي يستطيع المجلس أن يعقد اجتماعه فيه. وكذلك اذا كانت سلطات الإحتلال مثلا قد كانت قد اعتقلت غالبية أعضاء المجلس الوطني.

وعلى العكس من ذلك فإن الحرب في أفغانستان مثلا يمكن أن تكون قوة قاهرة بالنسبة لمن هم في افغانستان أو المتعاملين معها، ولكن وجودها لا يتعذر معه دعوة المجلس الوطني الفلسطيني مثلا، وبالتالي فهي ليست قوة قاهرة تدخل في مفهوم الفقرة (ج) هذه لأنها لا تجعل دعوة المجلس الوطني الفلسطيني للإجتماع أمرا متعذرا بحيث يجوز الخروج عن الأصل الوارد في الفقرتين (أ) و (ب) من المادة 14.

ومعنى هذا أنه اذا أمكن دعوة المجلس الوطني إلى اجتماع غير عادي فإنه لا يجوز اللجوء إلى هذه الفقرة (ج)، وإنما يجب دعوة المجلس ليمارس اختصاصاته بالطريقة المعتادة وفقا للفقرتين (أ) و (ب) من المادة 14. وتكون الدعوة التي توجه استنادا للفقرة (ج) والإستناد إلى هذه الفقرة في اتخاذ قرارات وفق احكامها باطلة ولا سند لها.

10. قد يقال إن الخلافات القائمة حاليا بين الفصائل، وخاصة بين "فتح" و"حماس" هو قوة قاهرة، وأن منع "حماس" لأعضاء مؤتمر "فتح" من مغادرة القطاع للمشاركة في المؤتمر هو قوة قاهرة تجيز الإستناد للفقرة (ج) من المادة 14. غير أن السؤال هو هل الخلافات بين الفصائل، مهما اتخذت من أشكال، تحول دون دعوة المجلس الوطني للإنعقاد سواء في دورات عادية لممارسة اختصاصاته كلها، ومن بينها النظر في أوضاع اللجنة التنفيذية، أو لممارسة اختصاص محدد لا يقبل التأجيل؟

----------------------------------

[1] من مؤسسي منظمة التحرير الفلسطينية، رئيس لجنة الميثاق والأنظمة ورئيس اللجنة القانونية في المجلس الوطني الفلسطيني سابقا.