غزة-نوى-مي أبو حسنين:
وسط موجة الحر الشديد التي تجتاح صيف غزة المحاصرة، واستعصاء أزمة الكهرباء عن الحل، لا يجد الغزيين مفراً إلا الهروب إلى محال تصنيع (البوظة)، لتطفئ حرارة الجو، وتروّح عن أنفسهم، وقد تجددت أرواحهم ليتمكنوا من مواصلة صعوبات يوميات مواطن غزي، أما الباعة فيصرون على الاستمرار رغم كل المعوقات التي تعترضهم دعماً للمنتج الوطني.
مشتركات .. الأصدقاء والعائلة
منذ خمس سنوات لم أجتمع بصديقاتي، بفعل سفري للخارج، واليوم نلتقي لنجدد العهد"، بهذه الكلمات تبادر "سوزان حسن"، من مدينة رفح الحديث "لنوى" وهي تتناول البوظة في أحد زوايا محل "معتوق للبوظة" وسط مدينة غزة.
تضيف مازحة:"بالتأكيد، وجودنا هنا لنمرح معاً بوجود التكييف، بعيداً عن الحر وانقطاع الكهرباء"
فيما توافقها صديقتها "آمنة أحمد"، من مدينة خانيونس القول" كنا في دائرة أبو خضرة الحكومية، وبالتالي قررنا الاجتماع لأننا لا نعلم متى يتجدد اللقاء".
أما صديقتهم "داليا السماك"، من المحافظة الوسطي تحدثنا بينما تتناول ما تبقي في كأس البوظة"، في غزة تتوفر المرطبات لكافة الشرائح من يريد بشيكل سيجد ومن يستطع أكثر هنالك أماكن تلبي رغبته".
تتنوع محال بيع البوظة حسب القدرة الشرائية، فينتشر على سبيل المثال "محل أبو زيتونه"، في حي الشيخ رضوان، بأسعار شعبية تناسب العائلات كبيرة العدد ومحدودة الدخل.
خلافاً للتسعينيات وبداية الألفية الثانية؛ ازدهرت وتطورت صناعة البوظة لتصطف العديد من أصنافها المنكّهة بمذاقات مختلفة؛ ما بين الفواكه الطبيعية والمجففة والمكسرات وأنواع مختلفة من الشوكولاتات والفانيلا وكذلك البوظة العربية بالمستكة والفستق الحلبي.
تقول الحاجة أم طارق وهي تنتظر دورها لتحمل كأس البوظة لابنتها الجالسة في أحد زوايا محل كاظم للمرطبات:"منذ سنوات وأنا والعائلة نجد فرصتنا لتناول البوظة والبرد بعد طول معاناة من التبضع، تلتم العائلة لنتشارك أحاديث تنسينا معاناة المكوث الطويل في المنزل".
تضيف الحاجة:"هنا اعتدنا على المجىء وطلب ما يناسب ميزانيتنا المتواضعة ونلبي رغبات الجميع".
أصل البوظة
"الدوندرمة"؛ الاسم المتداول حتى يومنا هذا للبوظة في تركيا، ومنها انتقلت لبلاد الشام ومصر منذ مئة عام، لتتطور الصناعة من قالب البوظة العربية التقليدية، إلي أن وصلت مع التواصل مع العالم الخارجي والدورات المستمرة إلي صورتها الحالية في كافة البلدان العربية وكذلك فلسطين، وقطاع غزة بطبيعة الحال.
يروي الحاج أبو إياد كاظم أبو رمضان، صاحب محلات "السيد كاظم" التي تقع في شارع عمر المختار غرب مدينة غزة، كيف إحترف والدة صناعة البوظة "لنوى"، قائلا " في البداية افتتح والدي محل بسيط في منطقة السامر، تقدم البوطة العربية والمهلبية "
يضيف "بعد ذلك سافر والدي إلي سوريا، وتعلم سر الصنعة التي تميزنا،ومن ثم قام بإفتتاح محلات كاظم في حي الرمال، ولم تخرج خارج جدران المحل لليوم".
ويصر أبو رمضان على التوسع بإفتتاح فروع أخري، بعد أن تشرب الأحفاد الصنعة رغبا في الحفاظ على تجارة العائلة.
بدوره يؤكد الحاج أبو سامي الغزالي، صاب محلات "بوظة معتوق"، أن سر احتراف (الصنعة) التميز بالمكونات التي تدخل في صناعة البوظة، بالحرص على استخدام مواد نخب أول.
وتعتمد صناعة البوظة على الحليب ومشتقاته بشكل أساسي، إضافة للمستكة، والفانيلا، ومواكبةً للتطور تحرص غالبية المحلات التي تتفنن في اجتذاب زبائنها علي تقديم أطعم مستحدثة مثل "الفلورا، السنكرز، وكندر بونيو، والرافايللو، والكوكيرز".
الكهرباء عمود مائل
"هذه صناعة تعتمد كلياً على الكهرباء"؛ بهذه الكلمات يبادر الحاج الغزالي صاحب محلات (بوظة معتوق)، حديثة "لنوى"، عن أزمة الكهرباء التي تحد من تطور صناعتة.
يتساءل الغزالي إلى متى ستستمر أزمة الكهرباء، خاصة أنها صناعة تعتمد على الكهرباء.
يؤكد الغزالي أنه يود أن يفتح خطوط إنتاجية في كافة محافظات القطاع لكن أزمة الكهرباء تعقد الأمر.
يتابع:" دوماً هناك مشاريع لجلب المزيد من الماكنات الحديثة، وابتعاث أفراد لجلب الخبرات، لكن أزمات القطاع تقف حائل أمام أي خطوة للأمام".
يشدد:"نتابع بشغف كل حديث يدور عن حل قريب من هدنة وما شابه تجعلنا نلتقط أنفاسنا".
يشير الغزلي بأسف إلي أنه يضطر شهرياً لدفع 50.000 ألف شيكل من السولار لتشغيل "5" مواتير لمواصلة العمل.
بدوره يشير الحاج أبو إياد كاظم أبو شعبان أحد أبناء الحاج كاظم الأربعة إلي معاناتهم المتفاقمة في أوقات تقليص الكهرباء، خاصة مع الضغط الشديد في أيام الحر الشديد.
يذكر أن قطاع غزة يعاني من أزمة كهرباء متفاقمة منذ 9 سنوات، جراء قصف إسرائيل محطة توليد الكهرباء الوحيدة في القطاع.
فيما يري العامل في محلات كاظم أمين شيخة إلي أنهم يضطرون يوميا للعمل لساعات مضاعفة منذ ساعات الفجر الأولي إلي غروب الشمس للتغلب على هذه الأزمة.
يقول شيخة "لنوى"، أعمل منذ سبع سنوات في صناعة البوظة والبرد، وأعيل أسرتي في ظل ظروف البطالة"
ينوه صاحب محلات معتوق أنهم يتلقون يوميا العديد من طلبات التوظيف من شباب يحمل شهادات جامعية، بغرض تحصيل مصروفه اليومي.
وترتفع معدلات الفقر والبطالة في القطاع بنسب مخيفة جراء الحصار والانقسام السياسي.
يبقي كل شيء في قطاع غزة، يخضع لأزمات تجذّرت بفعل عدة عوامل، حتى الصناعات الموسمية كالبوظة، لكن المواطن والبائع في هذه الصناعة يتفقان وإن بشكل غير معلن على دعم منتج وطني، مهما تهالكت الأسباب لإيمانهم بوجود ضوء في نهاية النفق.
