غزة- خاص نوى- آلاء البرعي
يجلس على كرسيه البلاستيكيّ قبالة الشاطئ، تظلله شمسية ملونة بالأحمر والبرتقالي، يدندنُ
"عندك بحرية يا ريّس .. والبحر كويس يا ريّس"؛ محاولاً تناسي ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة العالية، جاعِلاً من البحر ملاذه الوحيد له ولعائلته.
ذلك حال الحاج ، أبو عماد سالم، 55عاماً، الذي يقطن في بيتٍ مكون من ثلاثة طوابق مع أحفاده في مدينة غزة يقول:" ألجأ إلى الشاطئ كثيراً هذه الأيام، بسبب ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة، فهو متنفس جيد لي ولعائلتي وبأسعارٍ مناسبة".
يضيف:" انقطاع التيار الكهربائي المستمر، وعدم وجود وسائل التهوية يُجبرني على الخروج من المنزل و الذهاب للسباحة والاستجمام لساعاتٍ طويلة على الشاطئ".
تمر على قطاع غزة موجة ارتفاع في درجات الحرارة والرطوبة، أعلى من معدلها السنوي بما يقارب السبع درجات، تزامناً مع استمرارية أزمة انقطاع التيار الكهربائي، لساعاتٍ طويلة خلال اليوم، ما يُنذر بأجواءٍ صعبة للغاية لسكان القطاع.
يقول محمد صلاح صاحب استراحة على شاطئ بحر غزة :" تكاد الاستراحة لا تخلو من الناس، مع ابتداء ساعات النهار الأولى ، وتحديداً بعد الفجر من كل يوم، لتكتظ خلال النهار بأعداد كبيرة من الوافدين".
يعتبر صلاح أن موجة الحر التي ضربت البلاد مؤخراً قد تسببت بتنشيط الحركة السياحية مما أدى إلى توفير فرص عمل جيدة للشباب ، حيثُ قام أصحاب الاستراحات بزيادة أعداد العاملين فيها أيضاً نظراً للضغط عليها.
عن أجواء العمل يتابع صلاح بابتسامة:" الارتياح يسود العاملين على الاستراحات، رُغم شدة التعب و الارهاق، الا أنهُ يعود عليهم بالنفع والرزق". مشيراً إلى أن اقبال الناس الشديد يُعد استثماراً جيد للأموال في استغلال شاطئ البحر و تجهيز الاستراحات.
لم يختلف حالُ سماح وادي، 45عاماً، والتي قامت بإستئجار شاليه سياحي برفقة عائلتها، عن أبو عماد، تراقب طفليها وهما يلعبان بالماء فرحاً، تقول:" الشاليه بالنسبة لي مكان مميز للسياحة الداخلية، يتميز بالخصوصية و يتيح لأطفالي اللعب في مكان مغلق، أمام عيوني، و به حديقة و قريب من الشاطئ".
تضيف:" من المهم أن يكون في غزة أماكن سياحية وترفيهية كالشاليهات والاستراحات، فنحنُ نفتقر للترفيه خاصة في ظل الحصار واغلاق المعابر". منوهةً إلى أن وجود مثل هذه الاماكن يُتيح للعائلات الاستمتاع وقضاء وقت مع العائلة في ظل الوضع الراهن والأجواء الحارة .
يرتاد أهالي قطاع غزة “الشاليهات” كمرفق سياحي مميز، متحدّين ضيق الحال، وقلة الدخل بالقيام برحلات سياحية داخلية، باعتبارها أرخص تكلفة من الرحلات الخارجية، ويعول المستثمرون على السياحة الداخلية بعد أن تعرضت لخسائر قُدرت العام الماضي بــــــ6 ملايين دولار.
يقول الفتى محمد فؤاد، يعمل في بيع المثلجات على الشاطئ،" إقبال الناس الشديد على الشاطئ ساهم بشكل كبير في زيادة دخلي اليوميّ، حيثُ أكسبُ ما يُقارب الــ150 شيكلاً يومياً من بيع البراد و المثلجات".
يتابع:" أعملُ لساعاتٍ طويلة خلال اليوم، ولكن العائد المادي في النهار يكون أكثر جراء اقبال الناس على شراء المثلجات في الحر و خلال فترة الظهيرة". موضحاً أنهُ يعمل لأكثرَ من 10 ساعة يومياً ، ولكن الحر الشديد و السير على الشاطئ في فترة الظهيرة قد تسبب لهُ بالإعياء الشديد.
وفق إحصائيات وزارة السياحة بغزة، فإنّ 120 منشأة سياحية داخلية تعمل في القطاع، تشغل حوالي 1500 عامل. وتساهم السياحة الداخلية بنحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي ، كما يدفع نمو الاستثمارات في السياحة الداخلية إلى تشغيل أعداد كبيرة من العمالة المتعطلة خاصة في أوساط الشباب وخريجي الجامعات.
يوضح رزق الحلو مدير دائرة السياحة في قطاع غزة أن السياحة الداخلية شهدت إقبالا كثيفاً من قبل كافة فئات المجتمع الفلسطيني, حيث بينت الإحصائيات أن توافد المواطنين على تلك المنشآت زاد بشكل ملحوظ خلال العامين الماضيين. مؤكداً أن هذا التزايد الملحوظ يثبت نجاح الجهود والمساعي التي تعمل عليها وزارته؛ للنهوض والرقي بالقطاع السياحي الداخلي.
في السياق ذاته، يقول "صلاح أبو حصيرة"، رئيس الهيئة الفلسطينية للمطاعم والفنادق والخدمات السياحية في قطاع غزة:" يبلغ عدد المنشآت السياحية في القطاع نحو 180 منشأة ما بين فندق ومطعم ومدينة ألعاب ومنتجع موزعة على مختلف محافظات القطاع من بينها (22 فندقاً، 14 منها جاهزة و8 أخرى) قيد التجهيز".
تقول منى الغلاييني سيدة الأعمال الفلسطينية :" قطاع غزة يتمتع بمناطق سياحية لا مثيل لها في العالم، لاسيما ساحل البحر الذي حثت الحكومة على استثماره بشكل مناسب، ومن شأنه أن يُدِر دخل كبير و يشغل آلاف العاطلين عن العمل".
تؤكد الغلاييني أن السياحة الداخلية تساعد على تفعيل دورة رأس المال في النشاط الاقتصادي باعتبار قطاع السياحة قطاعاً خدماتياً ويحتل 65% من النشاط الاقتصادي ".
فيما تؤكد تنامي القطاع الخدماتي خلال السنوات الخمس الماضية، بشكل أكبر من النمو في القطاع الإنتاجي أو السلعي في الأراضي الفلسطينية، مشيرًةَ إلى نمو القطاع الخدماتي بمتوسط سنوي مقداره 5%.
أما أبو عماد فيشير إلى أن استمرارية انقطاع الكهرباء وارتفاع الحرارة، سيزيد من احتمالية اقباله على الشاطئ هو وعائلته خلال الأيام القليلة المُقبلة، وهو المتنفس الوحيد الذي يجد وعائلته فيه نسمات هواء باردة، تلطف أجسادهم المتعبة والمتصبّبة عرقًا لـ 8 ساعات انقطاع الكهرباء في جدولها على قطاع غزة.
