حريق سوق نابلس الشعبي أتى على قوت 218 عائلة
تاريخ النشر : 2013-02-28 15:51

نابلس - (خاص) - شبكة نوى :

إعداد: ولاء خضير

يجلس البائع بشار أبو خرمة أحد باعة السوق الشعبي واضعا يده اليمنى على خده المتجعد من قهر العوز، يحاكي بنظراته حكاية عشرات العاطلين عن العمل من رفاقه، في مجتمع قدر له أن يكون في زمن غير زمن عمر بن الخطاب الذي توعد ولاة الأمر بقطع أياديهم إذا أتاه جائع أو محتاج.

المشكلة في السوق الشرقي الشعبي في مدينة نابلس بقرار البلدية منذ خمس سنوات بضرورة إزالة البسطات التي تنتشر على أرصفة المدينة، لأنها باتت تعكس صورة غير حضارية، وتلحق ضررا بالمحلات التجارية المجاورة للبسطات، وتعيق مرور سائقي العربات والمركبات.

غضب أصحاب البسطات من قرار البلدية بإزالته، كيف لا وهي مصدر رزقهم الوحيد، بل ويعبترونها صمودا لهم في وطن بات لا يؤمن لهم أدنى متطلبات حياتهم اليومية.

وتوجه أصحاب البسطات الى البلدية معلنين رفضهم الكامل لإزالتها، وطالبوا بإيجاد حل بديل لمصدر رزقهم، فالمسؤولية لا تقع على عاتقهم فقط، فأين يجدون عملاُ بعدما ضاقت بهم السبل؟ فما كان من البلدية إلا أن استجابت لهم، وقررت بناء مجمع لأصحاب البسطات، وأطلقت عليه اسم السوق الشعبي.

ونشرت البلدية بعد ذلك في تقارير المشاريع والإنشاءات أنّ السوق الشعبي هو أحد إنجازاتها الذي تعتز به، ووعدت باستمراره لفترة لا تقل عن خمس سنوات، ورغم معارضة الكثيرين من أصحاب المحلات التجارية المجاورة لم تتجاوب البلدية لمطلبهم بإغلاق المجمع.

لم يتحسن الوضع كثيرا، فبعد مسافة السوق الشعبي عن مركز المدينة أضعف عمله، ورغم ذلك استمر أصحاب البسطات. وحدث ما لم يكن بالحسبان في 31 من شهر كانون الثاني، في تمام الساعة الحادية عشر ليلاً، شبت نارٌ هائلة في كل أرجاء المجمع، وما أن وصلت سيارات الإطفاء، حتى كانت السنة النار قد التهمت كل شيء.

يحدثتنا نضال الكعبي، أحد باعة السوق الشعبي بأسى وحرقة " كنت نائما في بيتي، لا أحلم بشيء، فأحلامنا لا تتعدى أن نوفر قوت يومنا لأبنائنا، واستيقظت على صوت هاتفي يرن، ليبلغني أحد المقربين أن سوقنا قد التهمته النار، قمت مسرعا واصطحبت ابني معي إلى المجمع، رأيت ناراً لم أرها من قبل تلتهم كل شيء، كان يخيل لي أقفز في النار لأنقذ ما يمكن إنقاذه من بضاعتي، ولكن ابني منعني ان أفعل ذلك، فمن له بعدي؟ وقفت في الشارع أراقب بصمت رجال الإطفاء وهم يطفؤون نارا لم تنطفئ حتى أحرقت كل شيء" كان البائع يتحدث كمن يعود بذاكرته إلى مشهد لا يقدر أن ينساه، وبصوت خشن قال لنا :" انا بطالب الجهات المعنية والمختصة من بلدية ومحافظة وشرطة تحكيلنا مين عمل هيك فينا ؟ وليش ؟ ليش بحرقو مصدر رزقنا ؟ ضحية مين احنا "

ويذكر أن بلدية نابلس تباشر إجراءاتها للتحقيق لمعرفة أسباب الحريق والكشف عن ملابساته، وكان قد انتشر ان سبب الحريق في البداية تماس كهرباني، ونفي ذلك مباشرة، فالنار التي هبت دفعة واحدة، وبسرعة خيالية لا يمكن ان تكون سبباَ كهربائيا، وأجمع أغلب البائعين ومن شاهدوا الحريق بأنه بفعل فاعل، وكان هذا ما حدث. وفي مقابلة إذاعية على شكبة أجيال الإخبارية أكد رئيس بلدية نابلس غسان الشكعة أن الحريق الذي اندلع في السوق الشعبي، وأتى على عشرات المحلات التجارية والبسطات كان مفتعلاً، وبين بأن مثل هذه الأفعال تحتاج لوقفة مجتمعة من جميع المؤسسات والأفراد.

حاولنا مرار الاتصال بشخص من الأجهزة الأمنية، ليطلعنا عن أخر المستجدات بخصوص ملف حرق السوق، وفي إحدى المحاولات تم رفع سماعة ليرد علينا أحدهم، لكنه كان يتحدث مع شخص يجلس بجواره، وكان يقول “: بتعرف انو الخساير بالمجمع تعدت المليون شيكل وأكتر “، خلسة خرجت هذه المعلومة الحساسة.

وخلال حديث مع أحد موظفي البلدية، زعم أن مسؤولا ذو منصب ومركز يقف وراء الحريق.

إن التعويض عن ما خسره البائعون بات مطلبهم الوحيد في ظل وضع مأساوي يعيشه الآن ما يقارب مائتي بائع خسروا ما يملكون بطرفة عين، وخلال نصف ساعة تحول إلى تراب. بلدية نابلس وعدت البائعين بإعادة إعمار المجمع، وينتظر الجميع منذ أسبوعين على مرور الحريق، بأن توفى البلدية بوعدها لهم، ويقول أحد الباعة بعفوية: "خسارتنا كانت فادحة وكبيرة، ولكن القليل الأن يساعدنا ويدعمنا لنتمكن فقط من الوقوف مرة أخرى.

الحاج عطا الخاروف قصته لا تختلف كثيرا عن باقي الباعة في السوق ،ف الحاج عطا لديه عجز في رجليه بنسبة 85 %، وكان يحدثنا بملامح المتعب " مصيبة كبيرة ، أنا أعمل هنا منذ أربع سنوات ، كيف أجد نفسي فجأة تحت وطأة الديون والقروض التي تأكلني وتأكل بدني وفكري ليل نهار ، لا أعرف كيف سيتم تعويضي وكيف سأتدبر أمري ، انا أناشد كل من يستطيع مساعدتي، نحن وصلنا إلى أقل من العدم، أحتاج علاجاً كل يوم، أنبقى هنا هكذا كأننا أموات؟ ، حاولت أن أباشر في شراء بضاعة من جديد ولكن خسارتي تزاد عما أبيعه ، لكني لن أفقد الأمل وأملنا في الله أكبر من أي صائبة تصيبنا ".

لم يكمل الحج عطا كلماته الاخيرة حتى جاء بائع اخر وفي عينيه حرقة، وقال دون أن نسأله:" لدي 9 أفراد معيلهم الوحيد انا، أكبرهم يبلغ 16 عاما، وأصغرهم سنتان ونصف، ومعظمهم أولاد مدرسة، في الصباح لا أستطيع أن أعطي أيا منهم مصروفه الذي لا تتعدي قيمته الشيكلان، وفي أيام كانوا يضطرون على عدم الذهاب للمدرسة. تراكمت علي الديون، وهي مسجلة في دفاتر لم أعد قادراً حتى على حسابها، هذا انا، وربما اكون افضل حالا ممن تضرروا مثلي، و يجب ان يتم تعويضنا بأي شكل ولو كان من مبدأ التكافل الاجتماعي، لا نجبر أحدا على تعويضنا لكننا نناشدهم بذلك، لا يمكن أن ينقطع الخير هكذا، مصيبتنا في النار لا يضاهيها شيء" أثار الحريق الأسود ما زالت قائمة حتى اللحظة ، تدخل السوق كأنك كائن غريب، تحدق بك عيون الباعة لتتيقن انهم خذلوا من كثيرين جاؤوا قبلك إلى هذا المكان، وما إن يدخل أحد حتى يعتقدوا بأنه بعث من قبل البلدية ليتطلع على أوضاع السوق ليتخذ اللازم، ويتم إعماره كما وعدتهم البلدية، وهم متمسكون بالأمل لآخر لحظة، ولكن الكلمات تبقى غير معبرة عن حالهم، حين اقتبس أحدهم ما قاله درويش:" انا إن جعت آكل لحم مغتصبي حذار" وقال: " حتى وإن عرفنا سبب الحريق ومن افتعله لن انتقم، ليس هذا ما يهمنا الأن، ولكن حين يجوع أحد أبنائي ولا أجد ما أطعمه أخشى أن تشتعل بي نار لا يستطيع أحدٌ اطفاءها ".