معظم مسيرات التحرر العالمية والأممية للشعوب الرازحة تحت نير الاستعمار والاحتلال، اعتمدت خيار دمج الكفاح المسلح أو الثورة المسلحة، إلى جانب الخيارات السياسية في آن واحد كركيزة أساسية في المقاومة والنضال لاستعادة حقوقها المسلوبة، فبهذا ثمة صيد لعصافير بحجر واحد، فتحصد السياسة ثمار زرع البندقية، وليرتاح الشعب المثقل بالجراح والأنات من بعد كل مرحلة قتالية كي يضمد جراحه، ويستعد للمرحلة القادمة، هكذا كان الأمر في حرب فيتنام وثورتها ضد احتلال الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك في حركة التحرر الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي وغيرها من الثورات التي تعطينا أمثلة دامغة للإبداع في الجمع بين تصويب البندقية والريادة في السياسة.
فلسطين بالأمس القريب خرجت من سنين عصيبة عاشها شعبها خلال انتفاضته الثانية والمعروفة بإسم "انتفاضة الاقصى" والتي انطلقت عام 2000م ، خرجت فلسطين تضمد جراحها وتعاني أثر تلك الانتفاضة بل وازداد الطين بلة إقتصاديا وميدانيا واجتماعيا، فالإنقسام غدا السيف الذي شطر الوطن لقسمين، والمساعدات الدولية وعائدات الضرائب أصبحت حنفية الميزانية الفلسطينية، والاستيطان ازداد وقعه بعد انتهاء الانتفاضة كذلك، إضافة لازدياد وحشية الاحتلال ضد البشر والشجر والحجر دون حسيب أو رقيب.
حكومة الاحتلال أطلقت العنان لأخطبوطها الاستيطاني لتمتد أذرعه بكل قوة وتسارع في مناطق مختلفة من الضفة الغربية والقدس، فتصّعد الحكومة الاسرائيلية بزعامة اليمين المتطرف من وتيرة اصدار قرارات ضخمة تقضي ببناء الالاف من الوحدات السكنية بين الفينة والأخرى، في ذات الوقت الذي يستمر فيه قطعان المستوطنون بشحذ سيوف حقدهم، والتربص كقطاع طرق للتفنن بالتنكيل بكل من هو فلسطيني.
مخططات جديدة لتهويد القدس، و استشهاد عرفات جرادات بكل وحشية، و اشتداد وطيس المواجهات في "هبّة الأسرى"، وخرق اسرائيل التهدئة في غزة عشرات المرات، والاعتقالات اليومية المستمرة في الضفة، وزيارة مرتقبة للرئيس الاميركي باراك أوباما، وسط معمعة كل هذه الأحداث التي تكتنف طريق القضية الفلسطينية اليوم، ينتظر الفلسطينيون الأيام القادمة والتي على ما يبدو لا تبشر بخير أبداً، بفعل الشبح الاستيطاني، وفي خضم استمرار العيساوي ورفاقه في معركة الامعاء الخاوية، تطل مطالبات لكثير من الفلسطينين بعودة البندقية الى ساحة الضفة الغربية في مواجهة الاحتلال ومن أجل ردعه .
