نابلس - (خاص) شبكة نوى - محمود الشوبكي
بمجرد الحديث عن متحف يتراءى لنا صناديق زجاجية تضم أدوات ووثائق مهمة قديمة، وأجهزة إنذار، وحرس لمبنى فخم وكبير، لكن المتحف الذي نتحدث عنه من نوع آخر تماما.
انه متحف يبوس الذي أنشاه الشاب محمد عبد السلام العايدي في قبو بيته في مخيم الفارعة للاجئين؛ إذ بدأ العايدي بجمع الأدوات التراثية في عام 2007 بجهد شخصي، ودون أن يتلقا مساعدات من أحد، والذي يميز هذا الشاب وساعده في ذات الوقت على جمع الأدوات؛ علاقته القوية بكبار السن من اللاجئين بدوا وفلاحين .
وحلم العايدي وفكرته التي راودته كانت بسبب قول جدته له عندما أراد العبث بأغراض جده المتوفى (ما تخربها هاي من ريحة الغالي)، حينها أجمع في قرارة نفسه أن ينشئ معرضا بسيطا يجمع في الأدوات التراثية الفلسطينية القديمة والمهترءة من الخارج، والتي تحمل في كينونتها عرق صانعيها وجهد العاملين في إنتاجها، وذكريات أرض لطالما كانت وستبقى في وجدان الأرض والناس.
ويؤكد العايدي أن السبب وراء جمعه للأدوات التراثية ومن ثمة إنشاء المتحف هو رغبته في "حفظ خبز العيش مع كبار السن " بحسب تعبيره، والمقصود هنا تقديم الاحترام لكبار السن وتخليد حياتهم واحرام جهودهم وذوقهم.
ويضيف العايدي :" السبب الآخر أني لاجىء، والمناسبات الوطنية كالنكبة والنكسة في المخيمات الفلسطينية لها اهتمام كبير من ناحية التاريخ، ومن هذا المنطلق أحاول الحفاظ على هذه الأدوات من باب المشاركة الوطنية".
ومن جهة أخرى كان للعايدي من يؤيده ومن يعارضه؛ فالمعارضة من وجهة نظره كانت لجهل بالوضع السياسي الفلسطيني؛ ولأن أغلبية الناس لم يكونوا على دراية فيما أحاول أن أفعل وما نتيجته وذلك يذكره بقول (تميم البرغوثي ) "مازلتي تصرين على عدم إكمال القصص" ويضيف العايجي: "لا كرامة لنبي في وطنه"ليعبر عن إنكار كل ما هو جديد.
وفي سياق متصل يقول العايدي: "واجهت صعوبات في جمع الأدوات، لكن خبرتي في التعامل مع أجدادي مكناني من الإقناع والتحدث، وسهولة إيصال الرسالة لمن يملكون الأدوات، فمنهم من كان يعطيني أدواته، ومنهم من كان يرفض، والذي كان يعطيني الأدوات، كان يعتبرني محافظا سأصون أدواته بعد مماته، وسأكون سببا في أن يترك بصمته الخاصة في التاريخ الفلسطيني، وكان البعض يقول لي ضع اسمي عليها، وأما الرافض فكان يرفض من مبدء خشيته على تعبه في صنعها، وبأنه لا يأتمن أحدا غيره للحفاظ عليها".
ومن ناحية المساعدات المالية من المؤوسسات الحكومية أو غير الحكومية؛ يذكر العايدي بأنه لا يوجد أي اهتمام يذكر من أحد، بسبب عدم الاكتراث لأفكار تنادي بتأسيس المتاحف، وعدم تقبل الفكرة، أو عدم القتناع بجديتها.
وأما المساعدات الاجنبية فيرفضها العايدي رفضا باتا؛ لأنه مقتنع تماما أن أية مساعدة مادية من جهة أجنبية ستكون مشروطة،وهو لا يقبل أي شروط على تاريخ سطر بدماء آلاف الشهداء وبتضحيات شعوب بأكملها للحفاظ على الحضارة الكنعانية الفلسطينية.
أما النشاطات التي يقوم بها المتحف، فيقول العايدي بأنه شارك في عدد من المعارض، منها معرض طوباس الأول في مركز الشهيد صلاح خلف، ومعرض في قرية عصيرة الشمالية، وآخر مشاركة كانت في قرية نصف جبيل.
أما عملية توثيق الأدوات وأرشفتها في المتحف فتتم بطريقتين؛ إحداها بحسب وزارة السياحة والاثار الفلسطينية، مثل اسم القطعة والمالك السابق للقطعة و الوصف العام لها، والطريقة الأخرى ابتكرها وتعتمد على اسم القطعة والبلدة التي صنعت فيها وتاريخ البلدة إضافة الى 37 بندا آخر يحكي قصة كل أداة أو قطعة تراثية يضمها متحفه.
يبوس الكنعانية، تطل عبر متحف بسيط، بجهد شاب مثابر، لتحكي للأجيال القادمة أصالة الإنسان على الأرض الفلسطينية، وعمق التاريخ المرتبط بأناس هضم حقهم في الماضي والحاضر، لكنهم لا يزالون يمتلكون القدرة على حكاية قصتهم والاستمرار فيها.
