مرضى متلازمة داون... تحدي ونجاحات مميزة
تاريخ النشر : 2015-08-15 15:26

غزة_ ولاء فروانة

تحرص آلاء أن تكون في مكان عملها الساعة السابعة صباحاً، تلقي التحية على والدتها بابتسامتها المعهودة، تداعب بأصابعها شاشة هاتفها النقال الحديث، وتنتظر السيارة الخاصة التي تقلها إلى كلية المجتمع بغزة حيث تعمل آذنة هناك.

فتاة مجتهدة

آلاء النمرة، 22 عاماً، إحدى المصابات بمتلازمة داون، وألحقها أهلها باكرًا بالجمعيات المختصة حتى تخرجت من جمعية الحق في الحياة؛ لتثبت وجودها وتشكل حياتها بنفسها، تقول زوجة شقيقها شيرين: "أشعر أحيانا كثيرة بأنآلاء طبيعية مثلنا، وذلك من معاملتها وفهمها للأشياء ومشاعرها حين تحدثني عن تفاصيل يومها".

تضيف شيرين أكثر ما يزعج آلاء هو نعت صبية الحارة والأولاد في الشارع لها بـ "مجنونه وهبله" فتبكي آلاء وتقول لنا: "أنا منيحة وكويسة، ليش بيحكوا هيك؟"، وتستطيع آلاء القراءة والكتابة واستخدام جهاز الحاسوب والجوال الحديث "اللمس" حيث تعلمت ذلك في عدة مراحل أثناء التحاقها بجمعية تهتم بفئة متلازمة داون مقابل رسوم رمزية تضيف زوجة الشقيق.

يذكر أن أعراض متلازمة داون أو البلاهة المنغولية وهي تنتج عن تغير في الكروموسومات حيث توجد نسخة إضافية من كروموسوم 21 أو جزء منه مما يسبب تغيرا في الإِرثات يصاحب المتلازمة غالباً ضعف في القدرات الذهنية والنمو البدني، وبمظاهر وجهية مميزة.

جهود مميزة

انصب تركيز وفاء أبو حبل على قطعة قماش انسابت بين يديها، تخط فيها بحرفية عالية أجمل النقوش، إلا أن الحروف تنطلق بصعوبة من فمها لتخبرني بأنها "صامت شهر رمضان كله".

تلتقط والدتها الحاجة أم رائد أطراف الحديث، تقول:" أوليت ابنتي وفاء اهتمام وعناية منذ أنجبتها، وعلمت بأنها تعاني من المتلازمة فحرصت على متابعتها وتعلميها ومساعدتها على التركيز، والى الآن اهتم بملابسها في البيت أو خارجاً، لا أريد أن ينظر إليها أحد نظرة تشعرها بالنقص أو الدونية".

تضيف أم رائد:" أخاف عليها كثيرًا، فلا أؤمن عليها الخروج من المنزل لوحدها، دون أن تحضر لها سيارة تقلها إلى المكان الذي تريد"، تابع" أعاني بعض المشكلات مع ابنتي، فهي عنيدة أحياناً كثيرة وتحب الأكل بشراهة، وتملك الأشياء".

رغم ذلك، تشير أم رائد إلى أن ابنتها تستطيع القراءة وتجيد التطريز وبيع القطع التي تعملها "فهي تساعدنا في مصروف البيت".

متابعة مستمرة

مسئول قسم متلازمة داون في جمعية الحق في الحياة الدكتور نبيل جنيدي يقول ان مؤسسته تهتم بمرضى متلازمة داون والتوحد، وتقدم لهم خدمات وعلاج النطق والسمع وعلاج طبيعي وغيرها من خلال أكثر من 25 أخصائي نفسي واجتماعي، وممرضين وأطباء يعملون بالجمعية.

وبحسب الجنيدي فإن أكثر من 800 طفل منهم (150 أقل من أربع سنوات) مسجلون بمؤسسته، من جميع محافظات القطاع ويتلقون العلاج فيها، داعياً الأهالي إلى إرسال أبنائهم لمساعدتهم في الاعتماد على أنفسهم.

يوصي الدكتور الجنيدي بالتدخل المبكر منذ الطفولة والكشف القبلي عن أكثر الأمراض شيوعا والعلاج الطبي وتوفير جو عائلي متعاون والتدريب المهني حتى تساهم في تطوير النمو الكلي للطفل ذو متلازمة داون، وبالرغم من أن بعض المشاكل الجينية التي تحد من قدرات طفل متلازمة الداون لن تتغير إلا أن التعليم والرعاية المناسبين قد يحسنان من جودة الحياة.

مراحل التعليم

تتعامل وفاء أبو عطيوة أخصائية نفسية مع هؤلاء المرضى وفق أربعة مراحل: تشرح "التدخل المبكر تبدأ من (0-4) سنوات، وتكون لإرشاد الأهالي بكيفية التعامل مع أطفالهم، ومن ثم مرحلة الروضة تبدأ من (4-10) سنوات ويكون فيها التدخل مباشر وأهم المشاكل التي تسجل في هذه المرحلة هي العناد الزائد والعدوانية يتم علاجها بجلسات علاجية باستخدام الألعاب والرياضة والموسيقى.

تضيف" نقوم بإجراء اختبارات النضج الاجتماعي للأطفال، ومن ثم يتم إلحاقهم بالمدارس الحكومية إلا أن الحكومة رفضت استقبالهم ودمجهم في أخر 3 سنوات فيتم تعليمهم الآن داخليا في الجمعية، ويعاني الأطفال في هذه المرحلة من حب استحواذ الشيء والأكل بشراهة.

أما مرحلة ما قبل المهني يتم تعليمهم وإكسابهم مهارات للتطريز والمشغولات اليدوية واستخدام الحاسب الآلي ومن يتحسن يتم دمجهم في مؤسسات خارجية للعمل فيها.

وحول وعي الأهالي، تقول الأخصائية الاجتماعية سناء أبو مدين" هناك وعي ملحوظ في المجتمع الفلسطيني في متابعة أبنائهم الذين يلاحظ عليهم إصابتهم بمتلازمة داون منذ الولادة، فتكون استجابتهم للعلاج والتكيف مع المجتمع أكبر بكثير من الذين يتأخر أهلهم وذويهم من إرسالهم للجمعيات والأماكن المختصة".

توصف أبو مدين الأطفال المنغوليين بأنهم محبوبين ومتقبلون في المجتمع بشكل يختلف عن السابق فكانت نظرة المجتمع لهم سلبية ولدفع الأهالي لجلب أبنائهم ومتابعتهم منذ البداية يتم تعريفهم على نماذج ناجحة من الفتيات والشباب ممن تعلموا الكتابة والقراءة، وتعلم بعض المهن ومنهم موظفون في عدة أماكن.

هذا، ويمكن أن تجد الكثير من الصفات المميزة لمتلازمة داون في أشخاص طبيعيين كصغر الذقن وكبر حجم اللسان واستدارة الوجه وغير ذلك.