عاماً بعد عام يتدهور الحال الفلسطيني ويزيد المواطن بؤساً وتشاؤماً وذهاباً نحو القاع، وسط مشهد سوداوي ومقلق يصيب الحالة الفلسطينية ككل، هو جزء من حالة الانحسار العربي والصراعات البينية التي تشتغل ضد الوحدة ولم الشمل العربي وتسعى جاهدة لتفتيت المفتت من هذا الوطن.
اثنان وعشرون عاماً تقريباً مرت على اتفاقية أوسلو ولم يتحول قطاع غزة إلى سنغافورة، وعشرة أعوام ذهبت على خطة إعادة الانتشار الإسرائيلي التي هندسها ونفذها رئيس الوزراء السابق أرئيل شارون، ولم يتمكن الفلسطينيون من استثمار هذا الظرف لجهة التخفيف من معاناتهم.
نعم كل الحق على إسرائيل لأنها السبب الرئيسي في إفقار الفلسطينيين ولأنها العقبة الكأداء أمام طريقهم للحرية والاستقلال، خصوصاً وأن الأراضي الفلسطينية المحتلة تعرضت لاجتياحات إسرائيلية كثيرة، كان هدفها حصر وحشر الناس في قضايا ثانوية تتصل بتفاصيل حياتهم لا أكثر.
كل الحق على إسرائيل لأن نموذج سنغافورة الذي حلم به الفلسطينيون تلاشى وسط عوامل كثيرة، على رأسها يتربع الاحتلال البغيض، وعلى رأسها أيضاً يتربع الانقسام الفلسطيني الخطير الذي يضعف من مناعة الصحة الفلسطينية، ومع الأسف مع استمراره سوف يقضي على سلامة النسيج الاجتماعي.
الاحتلال أنتج بفعل فلسفته الانحلالية الإحلالية معادلة السلطة على السلطة، فعن أي سلطة فلسطينية نتحدث وهي التي لا يمكن لها أن تقوم بدورها في حضرة الاحتلال الذي "يُشلِّحها" الأراضي تارةً، وتارةً أخرى يحجب تصريحات المرور عن الفلسطينيين ويحدد مصائر تنقلهم بأمره.
بفعل الاحتلال تزداد تعقيدات الحياة كثيراً في الضفة الغربية وقطاع غزة، ففي الأولى حدث ولا حرج، إذ نسمع كل يوم عن مداهمات واعتقالات ومصادرة أراضٍ وتدنيس الأقصى وباحاته، وفي غزة حيث الحصار الخانق، نلحظ بؤس الفلسطينيين وتذمرهم من السياسات الإسرائيلية العنصرية، ومن حكومة "حمساوية" قعدت في غزة ووظفت سلاح المقاومة في وقف العدوان عليها وعلى سلامة القطاع!
لكن أيضاً بفعل الانقسام الفلسطيني الداخلي الذي أبعد المواطن عن جوهر قضيته المتصلة بمقارعة الاحتلال، تدهورت الحالة الفلسطينية بالمجموع، ابتداءً بالمواطن وليس انتهاءً بطرق مقاومة الاحتلال والتفكير الجدي للهروب من فلسطين لعوامل تجعلها بيئة طاردة.
هذان العاملان أسهما حقيقةً في إضعاف الاقتصاد الفلسطيني إلى مستوى متهالك للغاية، إذ حسب إحصائيات صادرة عن البنك الدولي تعتبر غزة على سبيل المثال أسوأ اقتصادات العالم أداءً والأعلى بين معدلات البطالة في العالم بتخطي نسبة 43%، وسط ثلثين من الشباب هم مجموع التركيبة السكانية في القطاع.
مع بطالة عالية مثل هذه، يضاف إليها انقسام داخلي لا يعرف المصالح العامة بقدر ما أنه يركز على تمكين نفسه وتمتين حدوده وتجاهل قضايا الناس الحياتية، يكمل ذلك موجة الحر الشديدة التي تضرب عدداً من الدول العربية وفي ظل انقطاع متواصل للتيار الكهربائي، ماذا يمكن أن يصدر عن هكذا معادلة؟
النتيجة أن إحباطاً شديداً يصيب السواد الأعظم من الفلسطينيين، ترجموه مؤخراً برفضهم الانقسام والاستهتار بعقولهم وحصرهم في أمور حياتية جد هابطة مثل قضايا المياه والكهرباء، والدليل أن مظاهرات خرجت في كل من رفح جنوب قطاع غزة، ونابلس في الضفة الغربية تعبر عن موقفها من السياسات الفلسطينية غير السليمة تجاه ما تقدمه من خدمات ضعيفة.
لا يبحث المواطن عن مشكلة فوق المشاكل التي تلاحقه في حياته، ولا يريد أن يصطدم بسلطات الأمر الواقع، لكنه أيضاً يستحق أن يعيش الحد الأدنى من حياة كريمة، حتى يسعفه ذلك في ادخار قوته وصموده لمواجهة الاحتلال، خصوصاً وأن الأخير يتربص بالشعب الفلسطيني وهدفه الأساس هو كسر هذا الصمود.
قمة العيب أن لا يتمكن فرقاء الانقسام من حل مشكلة الكهرباء على سبيل المثال، واعتبارها مشكلة تدخل في مربع الانقسام، كما هو حال مشكلات كثيرة، وقمة العيب أيضاً أن يظل الفساد منتشراً بدون رقيب أو حسيب، يقضم الجيب الفلسطيني.
المواطنون في غزة يكثفون كل تركيزهم على أربع نقاط، الأولى تتعلق بموضوع إعادة الإعمار وبناء المساكن التي دمرها الاحتلال خلال عدوانه الآثم على قطاع غزة العام الماضي، وأما النقطة الثانية فتتصل بموضوع فتح معبر رفح البري وتمكين الناس من ممارسة طقوس الأسفار بدون معيقات.
الثالثة تتعلق بأزمة الكهرباء التي أصبحت كابوساً يسيطر على حياة الناس، وعلى أسئلتهم اليومية المشغولة بالطموح في برنامج تشغيل الكهرباء لما يزيد على 6 أو 8 ساعات، ولنا أن نتخيل كيف أن الناس تهلل وتصفق لإنجاز برنامج كهربائي يعمل على 12 ساعة قطع ومثلها تشغيل.
أما النقطة الرابعة فتدخل في تحسين الحياة الاقتصادية للمواطنين، يشمل ذلك ملف "الأونروا" القديم الحديث الذي دخل على خط الأزمة، والذي فتح جروحاً جديدة في الجسد الفلسطيني المثخن بها، الأمر الذي يستدعي ضرورة معالجة هذا الملف لأهمية الخدمات التعليمية والصحية وأخرى تقدمها هذه الوكالة الدولية للفلسطينيين.
أتحدى أي قيادي يعد على أصابعه ما هي أولويات المواطن الفلسطيني في ظل هذه "الخبصة" من المفارقات التي تخلط القضايا الوطنية بالحياتية، وفي ظل أجواء تبعث على الشعور بالتشاؤم والحقد على القيادات الفلسطينية التي تتمسك بالكراسي ولا تعمل بقلب مفتوح لصالح الوحدة الوطنية.
تباً للانقسام الداخلي الذي عمم حالة التسول وطلب المعونة الدائمة بهدف تسيير الحياة اليومية الفلسطينية، وحرف المسار نحو قضايا دسمة من شأنها أن تحقق مكاسب وطنية، ذلك أن الاحتلال الإسرائيلي يسرح ويمرح في الحديقة الفلسطينية ويقطف الزهور من الأطفال والشباب ويدمر ويستوطن ويفعل ما يشاء.
المطلوب أن تحل القيادات الفلسطينية عن ظهر المواطن الذي قد يصاب بالشلل من مثل هذه السياسات التي تتخبط وتزيد من الانقسام عمقاً وتهوراً، والمطلوب الآن التخفيف عن الفلسطينيين والبحث في القضايا الهابطة التي تشكل عصب حياتهم، طالما وأن القضايا الوطنية مربع محظور العمل فيه.
ليس من المعقول أن لا يتمكن فرقاء الانقسام من تحقيق المصالحة وفي ذات الوقت إتعاس وإضعاف الفلسطيني وتصديع رأسه في أمور تافهة، وإلا ما الغاية من وجود قيادات واجتماعات وقرارات لا تخدم المواطن الغلبان؟!
إما أن تحل القيادة عن المواطن، أو أن يسعى للفكاك منها.. هذه المعادلة ينبغي أن تبقى حاضرة وتشكل مؤشراً للعمل الحقيقي والناجز الذي يؤكد على العلاقة التراتبية في السلم الوظيفي والمجتمعي بين الحاكم وبطانته والرعية، أو أن الجزاء من جنس العمل.
المواطن ليس عدواً
تاريخ النشر : 2015-08-14 10:00
