بقلم – زكريا محمد :
لدينا في الجزيرة العربية ثلاث قوى تتصرف على أنها قوى إقليمية: السعودية، قطر، والإمارات.
مفهوم أن تتصرف السعودية كقوة إقليمية. فقد كان هذا شأنها منذ عشرات السنين. لكن الألفية الجديدة شهدت المغامرة القطرية الكبرى كي تثبت نفسها كقوة إقليمية. إنه الاختبار الأول لتحويل قوة صغيرة إلى قوة إقليمية عبر المال وحدة. ليس هناك امتداد جغرافي، ولا امتداد بشري، ولا تاريخي حتى. هناك فقط الفلوس التي عليها أن تشتري الأفراد والأحزاب، بل والدول أحيانا. الفلوس عليها وحدها أن تخلق قوة إقليمية.
وهكذا شهدنا عقدا من جنون الفلوس التي تري في نفسها قوة أقليمية. رأينا دولة قطر تدخل مغامرات تحالفات مدهشة: تتحالف أولا مع إيران وحزب الله وسوريا ضد السعودية. ثم تتحالف ثانية مع تركيا ضد هؤلاء. ثم تتحالف ثالثة مع تركيا والسعودية ضد إيران وسوريا. هذيان تحالفات لا يفهم. تغيرات لا علاقة بمنطق قوة إقليمية فعلية. فالقوة الإقليمية يحكمها منطق جغرافي- ديمغرافي وليس منطقا سياسيا فقط. القوة الإقليمية تبني حساباتها بالامتداد الجغرافي- التاريخي.
وهكذا رأينا أفعال القوة الإقليمية القطرية في لبنان وفي غزة وفي ليبيا وفي الأردن وفي مصر. رأينا الجنون الذي يخرج عن طوره. رأيناها وهي تحاول بعث ثورات في رام الله وفي الأردن. بل ورأيناها تهدد الجزائر بالويل والثبور في بعض اللحظات.
لقد كانت تجربة مدهشة من الفتن والمؤامرات.
لكن النقود التي تعوم على الفراغ يمكنها أن تضلل من يملكها. وليست قطر وحدها من يملك الدولارات. وهكذا شهدنا دولة الإمارات العربية أيضا وهي تحاول إعادة تكرار التجربة القطرية. فلماذا يحق لقطر وحدها ان تطمح إلى ان تكون قوة إقليمية؟ الإمارات أيضا يمكن لها أن تطمح في ذلك. وهكذا شهدنا الطائرات الإماراتية (الإماراتية وليست الأميركية او البريطانية!) تقصف في ليبيا، وفي سوريا وفي اليمن. بل وشهدنا الدبابات الإماراتية تنزل على سواحل عدن. كما شهدنا العروض الإماراتية في رام الله وفي القاهرة، وفي غير مكان. فأكوام الفلوس قد تتيح لجزيرة صغيرة الظن بأنها إيران، او تتيح لمدينة كدبي الظن بأنها الهند.
وفي المغامرات المجنونة للتحول إلى قوة إقليمية عبر الدولارات لا تدخل إسرائيل في المشهد إلا كصديقة عند القوى الإقليمية في الجزيرة العربية، الموهومة منها والحقيقية.
