غزة-نوى -ايمان جمعة
فجراً وليل غزة الساكن يغفو بعيداً عن صباحٍ يخيف فقيراً سائراً بخطوات متعثرة بين تعرجات أزقة المخيم محاولاً اخفاء خوفه بدندنة شفتيه الراجفة بأغانٍ غير مفهومة مسيرة كريم أبو كوش (9سنوات) اليومية في الركض لبقاله أم مصطفى في أول المخيم حاملاً بيديه الصغيرتين الخشنتين بضع زجاجاتٍ بلاستيكية فارغة ليعود بعد قليلٌ مؤلم يحاول جر جسده النحيل إلى منزلٍ يخلو من الحياةِ بغير ماء ويمنح عائلته الكبيرة بضع قطرات من المياه المحلاة ليستطيعوا إكمال حياتهم اليومية في غزة.
منذ فترة ليست بالبسيطة يعتمد المواطنين الفلسطينيين وفي قطاع غزة ككل على المياه المحلاة في حياتهم, بعد أن أصبحت مياه الشرب الجارية في منازلهم غير صالحة للشرب وفق مقاييس منظمة الصحة العالمية, وحتى وإن كانت صالحة في بعض المناطق فإن احتمال وصولها للمنزل يصل ليوم أو يومان في الأسبوع, فيقول مصطفى شلوف (31عاماً) ويسكن في منطقة خربة العدس:" المياه لا تصلنا إلا مرة واحدة بالأسبوع ولمدة خمس ساعات فقط, ولأننا لا نستطيع العيش بدون مياه قرر أغلب سكان المنطقة التحويل إلى آبار المياه الجوفية والتي في الغالب هي شديدة الملوحة, ولا نستخدمها للطبخ والشرب فنشتري المياه المحلاة من محطات التحلية".
مياه مالحة
وعن سبب ملوحة المياه الجارية التي تصل إلى البيوت يؤكد المهندس يحيي أبو عبيد من مصلحة بلديات الساحل أن المياه الموجودة في قطاع غزة خارجة عن مواصفات منظمة الصحة العالمية الأمر الذي يدفع أغلب سكان القطاع للاعتماد على المياه التي تنتجها محطات التحلية الخاصة في القطاع دون علم منهم أن أكثر من 80% من مياه هذه المحطات تحمل مشاكل أكثر من مياه الخزان الجوفي.
في السادسة صباحاً وقبل ذهابهم للمدرسة محمد وعبد القادر زعرب يتوجهان يومياً لمحطة المياه المحلاة التي تقع بجوار منزلهم ليشتروا ما يكفيهم لباقي اليوم, ويقول عبد القادر (11عاماً) :" كل يوم بنشتري بخمسة شيكل مياه من المحطة, وسعرها قليل لأنها قريبة من البيت", لكن غسان أبو شاويش لا يستطيع الذهاب لشراء المياه فيأتيه البائع ليملأ له خزان بيته بسعر 20 شيكل, ويعاني أبو شاويش من ارتفاع سعر المياه المحلاة فيقول:"المياه الي بتجينا من البلدية مالحة, وما بنقدر نشربها أو نحطها على الطبيخ, وسعر 20 شيكل للاسبوع مبلغ مش بسيط علشان المياه, غير الفلوس الي بندفعهم حق المياه الي بتبعتها البلدية".
ويقول المهندس أبو عبيد:"ترتفع في مياه الخزان الجوفي نسبة الأملاح والنيترات بينما تقل نسبة الأملاح في محطات التحلية عن المطلوب ما يجعلها عرضة للتلوث البكتيري المسبب الرئيس لكثير من الأمراض المختلفة". مشيراً إلى أنه لا يمكن تخزين مياه محطات التحلية لفترات طويلة على اعتبار أن قلة الأملاح في المياه تسرع من نسبة التلوث فيها لافتاً إلى أن مياه محطات التحلية تفقد صلاحيتها بعد 24ساعة فقط.
البحر الحل
وبينما يرى المهندس أبو عبيد أن المياه في الآبار الجوفية انخفض منسوبها عن المطلوب, وأن الحل الوحيد هو إغلاقها لمدة لا تقل عن عشرة سنوات لتعود لوضعها الطبيعي وتصبح المياه بداخلها صالحة للشرب, فيؤكد الباحث المتخصص في شؤون آبار المياه الجوفية وتحلية مياه البحر محمود إسماعيل في دراسة بحثية بعنوان "آفاق تحلية المياه في قطاع غزة", على ضرورة الحفاظ على الخزان الجوفي الساحلي في القطاع, باعتباره المصدر الأساسي لتوفير المياه, والعمل على إنشاء مشروع لتحلية مياه البحر بطاقة كبيرة, مشدداً على أهمية العمل على إنشاءها على وجه السرعة لسد النقص الحاد في مياه الشرب في القطاع من الناحيتين النوعية والكمية.
بديل آخر
ودفع سوء مياه الشرب في قطاع غزة آلاف المواطنين إلى البحث عن بدائل ممكنة لتوفير مياه الشرب لمنازلهم ومكاتبهم من خلال شراء المياه المحلاة أو تركيب أجهزة التحلية الصغيرة في المنازل والتي يصل سعرها إلى نحو 300دولار وتحتاج إلى صيانة مستمرة.
ويضيف:" هناك عشوائية وعدم رقابة على محطات التحلية المنتشرة في القطاع, مؤكداً أن الكل ينتج ويبيع دون رقابة من أحد إلى الحد الذي دفع بعض الجمعيات الخيرية إلى ميدان المنافسة والادعاء أنها تبيع المياه بأسعار رخيصة, ويبلغ عدد المحطات في قطاع غزة نحو 50 محطة كبيرة يتراوح انتاجها ما بين 50-300متر مكعب من المياه يومياً.
المياه المحلاة ما هي إلا وسيلة للاستمرار بالعيش في بلدٍ محاصر لا يزور أحداً, وأحداً لا يزوره حتى المطر, ولكن هذه المياه تحتاج إلى رقابة من قبل وزارة الصحة الفلسطينية وهذا ما أكده لنا المهندس رياض جنينة خبير في قضايا المياه ورئيس مجموعة الهيدرولوجيين في قطاع غزة حيث قال:" محطات التحلية الخاصة والتي بعضها تتبع إلى شركات خاصة هنالك رقابة من وزارة الصحة عليها, لكن جزء ليس بسيط لا يخضع للمراقبة فهي غير مرخصة لعدم
أما بالنسبة للسبب الرئيسي وراء مشكلة المياه التي يعاني منها قطاع غزة فأكد جنينة على أنها مشكلة سياسية كون إسرائيل منتهكة لحقوق الشعب الفلسطيني المائية, وقال:"مصادر المياه في قطاع غزة تتمثل في الخزان الجوفي الساحلي الذي يمتد خارج حدود غزة ويحصل القطاع من خلاله على جزئ بسيط من مساحة الخزان الإقليمي وبالإضافة إلى مياه الأمطار التي تغذي الخزان الجوفي بمعدل 120 مليون متر مكعب، حيث يستفيد القطاع من ثلث هذه الكمية بحوالي 50 مليون متر مكعب، وتعتبر كمية محدودة سيما بعد انتشار المد العمراني في القطاع، و مصدر الانسياب الجانبي الطبيعي للمياه الجوفية في المنطقة الشرقية".
