بقلم - محمود جمال :
ثمة إشارة إلى أن التجهيز لإعداد جيش الانقلاب قد بدأ في زمن عمر بن الخطاب، ذلك لأن الخليفة العادل كان قد لاحظ بنفسه، أثناء زيارته للشام، أن معاوية بن أبي سفيان يبالغ في حشد المجندين حوله.
وبعد مقتل عمر، بدأ نفوذ بني أمية يزداد باضطراد، فأصبحوا الحاشية المقربة من الخليفة الأموي عثمان، وإليهم آلت ولاية أهم الأمصار، واستفحلت سلطة ابن أبي سفيان بالذات، لكن بإقرار صريح من الخليفة هذه المرة، فمعاوية الآن باسط نفوذه على منطقة الشام بأسْرها، بعد أن كانت مُقسمة بين حاكمين في زمن عمر. ورغم ذلك فضل الأمويون أن يتابعوا مشهد قتل الخليفة في قصره من بعيد، لتبدأ أولى لحظات النزاع العائلي على السلطة من جديد، وتنفرط أول حبة في العقد الذي صنعه محمد (ص).
لم يكن القرآن - في نظر الأمويين - سوى دستور كتبه محمد في ظروف انقلابية، ولم يكن الإسلام نفسه سوى حركة تمرد سياسية، فرضت كلمتها بالسيف، لا من أجل توحيد الله، بل من أجل توحيد القبائل تحت الراية الهاشمية، لذا؛ فقد خرج معاوية بصحبة عمرو بن العاص، يوم صفين، لحرب الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ليعيدوا تصحيح الأوضاع، وليخرجوا القرآن من معادلة الصراع على السُلطة، كي يبقي للسيف وحده الكلمة الفصل، وما كان وضعهم لدستور محمد فوق سيوفهم سوى إشارة واضحة، سوى إعلام بأن ثورة التصحيح، لاستعادة المُلك المسلوب، قد بدأت، وبذات الآلية المحمدية، سيف على نصله مصحف!
عاد ابن أبي سفيان إلى الشام، بعد ثورته منتصراً، وذهب بن أبي طالب، إلى الكوفة مهزوماً.. عادا وبينهما نهر من الدماء بلغ تعداد من صبوا في مجراه قرابة سبعين ألف قتيل مسلم، وما هي إلا بضع سنين حتى صدح حفيد بن أبي سفيان بشعره، وأخبر صراحة عما كان قد ألمح إليه معاوية بفعله، إذ قال: تلعّب بالنبوة هاشمي فلا وحي أتاه ولا كتاب!
خرج كتاب الله ودينه من المعادلة إذن، وبقي السيف وحده، ذاك الذي تكفل بالإجهاز على معظم من بقي من نسل النبي محمد. فسيد شباب أهل الجنة، الحسين بن علي، لم يرضى بما رضي به أخيه الحسن، ولم تكن رؤيته لأحد صناديد بني أمية يحكم في أتباع جده لترضيه أبداً، وياليته رضي، ولم يكن المال ليسكته كما أسكت أخيه، وياليته سكت، فحفيد النبي محمد (ص) كان قد آثر أن يواجه الخليفة الأموي بسيفه، فكان مآله أن قطعت رأسه وحملت من العراق لتوضع أمام ناظري يزيد في الشام.. حملها جنود الخليفة بعد أن تركوا خلفهم سبعين قتيلا من أهل بيته وأقربائه، منهم خمسة من إخوته، واثنان من أولاده، وثلاثة من أولاد أخيه الحسن، وستة من أبناء عمه، تُركوا بعد أن قُطّعت رؤوسهم جميعاً، وبقيت جثامينهم لترتوي منها أرض الكوفة بالدماء، فتنبت فيما بعد مذهب سياسي جديد، هو المذهب الشيعي!
بيد أن يزيد لم يكتفِ بما اقترفه في حق أحفاد محمد، وما كان له أن يكتفي، وهل يقبل منطق القبيلة سوى باكتمال الثأر؟! فحفيد ابن أبي سفيان، ما كان لينسى مرارة هزيمة آبائه في بدر، على مقربة من مدينة رسول الله، فأصر أن يُذل أهلها ويخضعهم كرهاً، بعد أن أمر جيشة باستباحتها ثلاثة أيام اغتصاباً للحرائر والأبكار وتنكيلاً بالعبيد والأحرار.. قتل جيش الخليفة الأموي كل من شهد بدرا، فلم يتبقَ في المدينة رجل واحد ساعد الهاشميين في نصر محمد، إذا ذاك؛ صدح يزيد بالشعر فقال: ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل.. لأهلّوا واستهلّوا فرحاً ثم قالوا يا يزيد لا تشل.. قد قتلنا القرم من ساداتهم وعدلنا ميل بدر فاعتدل.
اعتدلت الكفة إذن، بحسب وصف يزيد، واستقر للأموين حكمهم بعد أن عاد ملكهم الضائع، لكن حركات التمرد الهاشمية لم تتوقف أبداً، خروج على الحاكم يتبعه خروج، وكل مرة تُجزّ منهم ومن أتباعهم الأعناق وتتطاير الرؤوس، إحدى هذه الحركات كُتب لها النصر في ميدان الحرب دون أن يتوج بنجاح سياسي، فجيش "المختار السقفي" استطاع أن يأسر من الأمويين خمسمائة رجل، ذَبَحَ منهم مئتين وأربعين، وحَرَقَ الباقين وقطع أوصالهم، وتركهم ينزفون في صحراء العراق.
وهكذا يخبرنا التاريخ؛ ليس هناك ثمة طرف ظالم وآخر أشد ظلماً في الصراع على السُلطة، فكلما تحكم طرف في الآخر، أعمل فيه القتل الصلب والتنكيل.
ذهبت دولة الأمويين وجاءت دولة بني العباس، وتبع مجيئها انقسام في الجبهة الهاشمية، إلى عباسية، حلت محل الأموية، وطالبية ظلت على معارضتها للحاكم، وتبع مجيئها أيضاً رجوع الدين لحلبة الصراع مرة أخرى، ففي عهد المتوكل، فُرض مذهب أهل الحديث بصفتهم الكهنوت المقرب للسلطة وخادم مصالحها، وأطيح بالمعتزلة وكل ما له علاقة بالعقل في الإسلام، وكان رد الجميل من طبقة الكهنوت أن طوعت الدين لتكفير كل من يحاول الخروج على الحاكم، أي الطالبين من أتباع علي وابنه الحسين، ومنذ ذاك الحين، ظهرت أدبيات تكفير الشيعة، بصفتهم "روافض". وبدورهم، لم تتورع الشيعة عن تكفير السنة، أو الطبقة الحاكمة، بصفتهم "نواصب".
في منتصف القرن الرابع الهجري، وبعد توالي عقود من تنكيل السنة بمعارضيهم من الشيعة، أضحى منطقياً أن تُدّجن الشيعة نفسها كطائفة على الدوام مظلومة، ففي هذه الفترة ظهرت لأول مرة على مسرح التاريخ الإسلامي طقوس عاشوراء والمآتم الكربلائية، وعلى الفور، استدعى السنة أصل الصراع، وعادوا بذاكرتهم إلي بداياته الإسلامية، فجاءوا بـ امرأة وأركبوها جملاَ وسمّوها "عائشة"، وسمّوا أحدهم "طلحة" والآخر "زبير"، وقالوا: هلموا نحارب أصحاب علي!
وبالفعل؛ أعادوا تكرار موقعة الجمل مرة أخرى، في مشهد خرافي صارخ، يعجز المرء مهما أوتي من طلاقة عن التعبير عنه، مشهد دلالته الوحيدة أن قنابل الدخان الدينية والمذهبية، مهما بلغت كثافتها، لا يمكن أن تُخفي أصل الصراع وفصله.. ويعجز "بن كثير" عن التعقيب عن هذا المشهد ويكتفي بالقول إنه قتل فيه خلق كثير، وساد السلب والنهب، وعاث العيارون في البلاد فساداً.
وعلى مدار الثلاثة قرون اللاحقة، توالت المعارك في ذكرى كربلاء من كل عام، من دون توقف يذكر، وما كانت لتتوقف أبداً لولا مجيء هولاكو، الذي جعل عاليها سافلها، وأمطر على الفرقتين من نباله ورماحه ما أذل اثنتيهما تحت سنابك خيله، فانتقل ميدان الحرب بينهما من الشوارع إلى صفحات الكتب!
يتبقى القول إن كل ما حدث لاحقاً، ولازال يحدث بين الفرقتين الآن، ما هو إلا مجرد تكرار لحلقات هذ المسلسل السخيف. فهل يعود هولاكو من جديد، ليكتب كلمة النهاية، كي نبدأ من جديد؟!
*مدون مصري
