بقلم - حسين العودات :
بعد رفض دام سنوات عدة، وافقت الولايات المتحدة على بدء الحكومة التركية في تهيئة مناطق آمنة شمال سوريا مقابل أن تعطيها الحق في استخدام قاعدة أنجرليك العسكرية وقاعدة أخرى في ديار بكر، حيث يوفر طيران التحالف الدولي الذي يقصف قواعد «داعش» آلاف من الكيلومترات يقطعها الآن، لأنه ينطلق من قواعد عسكرية في الخليج، بينما لا تبعد القواعد التركية عن الحدود السورية أكثر من 150 كيلومتراً.
ولعل السياسة التركية تهدف من هذا الاتفاق تحقيق أربعة أهداف في آن واحد، أولها منع قيام كيان كردي في سوريا محاذٍ للحدود التركية مهما كان شكله، سواء كان حكماً ذاتياً أم إدارة مستقلة أم أي شيء مشابه، ذلك أنها تخشى، إذا قام هذا الكيان، أن يحرّض أكراد تركيا على المطالبة بكيان مماثل ويدعمهم لتحقيقه، وهذا يشكل، بنظر الحكومة التركية، كارثة محققة. والهدف الثاني هو منع الطيران السوري من قصف المنطقة وبالتالي إعادة السكان المهجّرين في الداخل والنازحين إلى تركيا إلى هذه المناطق الآمنة، بل وإعادة مهاجرين سوريين من مناطق أخرى إليها، وتخفيف أعبائهم الحالية على السلطة التركية وعلى غيرها، وإن أمكن إعادة النازحين جميعاً (إذا ناسبت الظروف)، خاصة أن مساحة المنطقة المستهدفة تتجاوز أربعة آلاف كيلو متر مربع، وتكون الحكومة التركية بذلك قد تخلّصت من أعبائهم. ولعل الهدف الثالث هو أن حزب «العدالة والتنمية» التركي، بعدما فشل في الحصول على أغلبية النواب في الانتخابات الأخيرة، يرى إجراء انتخابات مبكرة (ربما في تشرين الثاني المقبل) عله يحصل على الأكثرية من جديد بعد أن يقتنع الشعب التركي بنجاح سياسته تجاه الأكراد وتجاه النظام السوري. أما الهدف الأخير فهو مشاركة التحالف في مواجهة الحركات المتطرفة الإرهابية، وتأكيد محاربة السياسة التركية للإرهاب، وتكذيب كل ما قيل عن مساعدتها السابقة لتنظيم «داعش»، برغم أنها وافقت سابقاً على تمرير السلاح الثقيل من أراضيها إلى المناطق التي تحتلها «داعش»، وكذلك سهلت مرور الأفراد، وبالتالي يمكنها الزعم مستقبلاً أنها شاركت بالحرب ضد الإرهاب ويحق لها المطالبة عند التسوية بثمن ذلك.
لقد كان موقف الحكومة التركية من الحركات الإرهابية، متردداً على أقل تقدير، فهو سمح بمرور الأسلحة وبعقد بعض الصفقات مع تنظيم «داعش» (وخاصة منها إطلاق سراح الديبلوماسيين الأتراك الذين كانوا محتَجَزين في الموصل)، وهو في الوقت نفسه سمح لـ «البشمركة» بالدخول من أراضيه لنصرة الأكراد في مدينة عين العرب (كوباني). وهناك تناقضات عديدة مماثلة وخاصة في معارك حلب وإدلب. وما من تفسير لهذا الموقف سوى أن السياسة التركية كانت مهمومة بالدرجة الأولى في الشأن الكردي الذي تخشى أن يحقق انتصارات كبيرة في شمال سوريا ويقيم حكماً ذاتياً أو كياناً لا مركزياً أو حتى دولة، أو على الأقل يمكن أن يسيطر الأكراد على شريط الحدود الشمالي بين سوريا وتركيا وصولاً إلى البحر ويربط كردستان العراق بالبحر المتوسط، ويمكن عندها مدّ أنبوب نفط من كردستان إلى شاطئ المتوسط لا يمرّ لا بالأراضي التركية ولا بالسورية.
تأمل السياسة التركية التي أعطتها السياسة الأميركية نصف موافقة على إقامة مناطق آمنة، أن تُفشل أي مشروع كردي يؤدي إلى إيذائها مستقبلاً. ولعل تجربة نجاح الأكراد في الانتخابات التركية الأخيرة شكّلت هاجساً بإمكانية تحقيقهم نجاحات في مجالات أخرى. ولهذه الأسباب ولغيرها انخرطت السياسة التركية في التركيز على الشأن السوري بشكل واسع منذ بدء الأحداث السورية، وربما كانت ترى منذ ذلك الوقت إمكانية تغيّر الظروف لمصلحة الأكراد، وبالتالي خلق مشاكل جديدة لها بعدما حققت حكومة «العدالة والتنمية» نجاحات داخلية كبيرة وهمّشت المعارضة التركية القومية والعلمانية والليبرالية.
يُلاحظ فتور ردّ الفعل السوري، وكأن السياسة السورية تقبل مثل هذه الإجراءات التركية القائمة والمحتملة. فلم يصدر عن السلطة السورية سوى تصريح خافت الصوت من فيصل المقداد نائب وزير الخارجية السوري، رفض فيه الوجود التركي في هذه المناطق الآمنة المحتملة واشترط موافقة دمشق المسبقة، وهذا أضعف الإيمان. وعلى أي حال، فإن نفي الحكومة التركية إدخال جيشها البري لهذه المناطق يعود للخشية ـ بحسب المراقبين ـ من تورّطه في حروب مباشرة مع «داعش» أو الأكراد أو القوات النظامية السورية، أو لكي لا يعتبر ذلك نوعاً من أنواع الاحتلال، ويبدو أن الأتراك يرون أن قصفهم الجوي (وربما البري من أراضيهم) قادر على تدمير «داعش» ومنع الأكراد من تشكيل تنظيمات عسكرية قوية، وبالتالي تحقيق الهيمنة التركية الكاملة على هذه المناطق «الآمنة». وعندها ستكون هذه المناطق وكأنها محميات تركية وراء الحدود، ومن يدري فقد تستغل السياسة التركية بعض الظروف المقبلة وتوسّع هذه المناطق غرباً وصولاً إلى محافظة اسكندرون، خاصة أن القسم الغربي من الحدود يسكنه سوريون من أصل تركي (جبل الأتراك).
في الوقت نفسه، لم يكن رد الفعل الأوروبي أو رد فعل الدول الإقليمية معادياً، بل كان إما موافقاً علناً كما هو حال موقف ألمانيا أو موافقاً ضمناً وهذا هو حال الجميع. وربما كانت الدول الإقليمية والدول الأوروبية ترى في الإجراءات التركية بداية إيجاد ظروف جديدة قد تُسهم في حل الأزمة السورية. هذا إضافة لاستفادة دول التحالف من المساعدات التركية متعدّدة الجوانب في حربها ضد «داعش».
أما الولايات المتحدة، التي رفضت طوال سنوات إقامة مناطق آمنة على الحدود السورية الشمالية، فقد قبلت أخيراً بذلك إما لاستفادتها من استخدام القواعد العسكرية التركية أو من المساعدات التركية في قمع «داعش» وتحرير شمال سوريا منها، أو لأنها تعتقد أن ذلك يخفّف عليها عبء مكافحة إرهاب «داعش» غير المجدي بأسلوبه الحالي.
تنتاب بعض المراقبين مخاوف جدية تجاه التحركات التركية الأخيرة وأهدافها غير المعلنة، ومطامعها في الأراضي السورية على طول الحدود، خاصة أن تركيا لم تعترف رسمياً بأن مدينة حلب هي مدينة سورية، وقد مضى مئة عام على استقلال سورية، وربما تنتظر السياسة التركية أحد الاحتمالات الذي يقول إن حل الأزمة السورية يكون بتقسيم البلاد إلى دويلات طائفية أو إثنية، وعندها يمكن أن تفرض وجودها في هذه المناطق الآمنة طمعاً في فرض هيمنتها عليها أو ضمّها إلى تركيا أو، وهو أضعف الإيمان، منع قيام كيان كردي فيها.
