بقلم - زكريا محمد :
علي أن أعترف أن الطبقة السياسية الإسرائيلية عموما لعبتها جيدا بخصوص العمل الإرهابي اليهودي الشنيع في قرية دوما. فحتى نتنياهو أطلق تصريحات شديدة ضد هذا العمل. أما بيريتس (وليس بيريز)، فقد طالب بهدم بيوت الإرهابيين اليهود، كما هو الحال مع العرب. أما رئيس الدولة، ريفلين، فقد كانت تصريحاته عنيفة: "أشعر بالألم أكثر مما أشعر بالخجل. ألم على قتل الرضيع، وآخر على اختيار أبناء شعبي للإرهاب طريقا، فاقدين بذلك إنسانيتهم. طريقهم ليست طريقي... ولأسفي الشديد يبدو ان معالجتنا لظاهرة الإرهاب حتى الآن ضعيفة وهشة".
والحق أن هذا كان ضروريا بالنسبة لهم لتهدئة المجتمع الفلسطيني، وتهدئة الرأي العام العالمي. أي انه كان محاولة لتقليص الخسائر.
لكن عليّ ان اقول أيضا أن ردود فعل المستوطنين والمتطرفين اليهود على هذه التصريحات هي الأمر الأكثر إثارة للانتباه، والأشد خطورة. وخذ كمثال على ذلك الشتائم التي تلقاها ريفلين على تصريحه الذي نشره على صفحته في الفيسبوك: "خائن"، "نتن"، "رئيس العرب"، "نهايتك ستكون أسوأ من نهاية رابين"، "أصلي لله أن تخرج من بيننا يغال عامير [قاتل رابين] ويكنسك، وينظف دولة اليهود منك ومن العرب".
ويمكن للمرء أن يتكهن، بناء على تصرفات المستوطنين في السنوات الخيرة، بأن المسرح صار مهيئا بالفعل لظهور العشرات من أمثال عامير. لقد كبر تجمع المستوطنين، وازداد قوة وشراسة، وصار يعرف مقدار قوته. كما أنه صار مستعدا للانفلات والتحدي بسبب شعوره بقوته. بل إنه صار، وبشكل ما، يمثل خطرا على الحياة السياسية الإسرائيلية نفسها، وعلى المجتمع الإسرائيلي. وهو ما قد يدفع إلى الاشتباك الداخلي الإسرائيلي. ولعل هذا هو الجذر الأعمق للتصريحات المنددة بالعمل الإرهابي.
اشتباك المستوطنين مع مجتمعهم ودولتهم صار أمرا ممكنا. لكن هذا يستدعي سياسة فلسطينية مختلفة. سياسة تضغط بشدة على أعصاب الدولة الإسرائيلية والأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وترغمهم على اتخاذ إجراءات لضبط المستوطنين والتقييد عليهم. من دون ذلك، فالعلاقة بين المستوطنين ودولتهم ستظل هادئة، وسيتمكن المستوطنون من مد مشروعهم وتوسيعه. كلما اشتد الضغط الفلسطيني على الحكومة الإسرائيلية، اشتدت احتمالات اشتباكها مع المستوطنين، وكلما خف الضغط حصل العكس.
ويجب أن يكون واضحا أن الضغط لا يعني المواجهة العسكرية بالضرورة. ونحن نعرف كيف ان العمليات الانتحارية في مناطق 48 في الانتفاضة الثانية ساهمت في تقوية الاستيطان، الذي بدا آمنا مقارنة بتل أبيب وقتها. الضغط يجب أن يكون عملية معقدة تشمل اشكالا من العمل الجماهيري والقانوني والسياسي والاقتصادي، إضافة إلى مقادير محدودة من الانفلات الأمني، الذي يشعر الجميع بأن الوضع قابل للتدهور.
أظن أن المشروع الاستيطاني وصل إلى نقطة محددة يجب علينا فيها أن نجعله ينفجر في مجتمعه الإسرائيلي، لا فينا.
