تحولات درامية في الخريطة الإقليمية
تاريخ النشر : 2015-07-27 17:54

كتب – مصطفى السعيد :

يتغير المشهد الإقليمي بسرعة شديدة تفوق القدرة على الإستيعاب، ويتبدل وضع اللاعبين، وشروط وقواعد اللعب .. فمن كان يتصور منذ أيام أن أردوغان سيضطر إلى شن حملات على تنظيم "داعش" الذي طالما احتضنه وأمده بالسلاح والتدريب والمعلومات وغيرها، ليتمكن من السيطرة على شمال سوريا وغرب وشمال العراق، ومن كان يتصور أن تتبارى سلطنة عمان والإمارات والكويت في تهنئة إيران بالإتفاق النووي؟ وأن تعلن أمريكا أن إسرائيل أمدت الأردن بمروحيات هجومية؟ وأن السعودية تستقبل قادة من حماس على الملأ، بعد أن كانت تنظيما إرهابيا مع جماعة الإخوان؟

ما يمكن استنتاجه أن الولايات المتحدة فقدت الأمل كلية في قدرة تنظيم داعش وغيره من الجماعات الإرهابية أن تحقق ما كانت تصبو إليه منها، مثلما يئست من جماعة الإخوان، وأرادت أن تتدارك الآثار الجانبية الناجمة عن الفشل، وقبل أن تتمكن إيران من إمتلاك قنبلة نووية، لتعيد النظر في سياساتها، خشية أن تتورط أكثر من قدرتها على الإحتمال، ولا يريد أوباما أن يترك الرئاسة، وقد ترك بلده تغوص في مستنقعات جديدة، لهذا كان إصراره على إنهاء ملف إيران النووي بدون حروب، في منطقة فابلة لتفجيرات عنيفة، فاختار إيران القوية بدلا من إيران النووية.

عندما أدرك تنظيم داعش أن مساعداته بل ومستقبله أصبح في مهب الريح، بدا كوحش هائج، يتخبط ويوجه ضرباته في كل مكان، من شرق السعودية إلى الكويت، وأخيرا يرتكب مذبحة في تركيا، يروح ضحيتها 32 كرديا، غتشتعل تركيا بالمظاهرات والصدامات وعمليات الإغتيال والثأر، ويتوه أردوغان في دوامة العنف، ولا يكاد يصدق أن نهايته تأتي بسرعة على يد تنظيم متوحش، ساهم في تربيته وإطعامه، ويطير صوابه هو الآخر، ويبدأ في حملات إعتقال شملت 13 محافظة، ليلقي القبض على أعداد من التنظيم الذي كان يأويه، وبدلا من أن ينقله إلى سوريا والعراق كالعادة، وضغهم في السجون، بل بدأ يحرك قواته لضرب معاقله في سوريا.

أردوغان خشي من ثورة شاملة، بدأت شرارتها بالأكراد، وظهرت نذر اتساعها، فأراد قطع رقبة داعش، وتقديمها قرابين إلى طالبي الثأر من داعش، ومعهم من يترقبون إهتزاز عرشه لينقضوا عليه، ويرى نهاية أسوأ من صديقه محمد مرسي.

بالتخلي عن داعش، والإتفاق النووي مع طهران، وخروج تركيا من التحالف الداعم للجماعات الإرهابية، تغيرت موازين القوى بشكل واضح، وبدأت سوريا تتنفس الصعداء، والعراق يطارد داعش في الأنبار، ليس مدعوما من إيران فحسب، بل إن الولايات المتحدة منحته لأول مرة طائرات إف 16، التي تباطأت في تسليمها 8 سنوات، وهي إشارة إضافية لتغير عملي في السياسة الأمريكية.

يبدو أن المملكة العربية السعودية تريد استكمال المسار من دون أي تعديل، غير عابئة أو ربما غير مقدرة لحجم التبدلات المحيطة بها، أو لأنه من الصعب عليها أن تهدر كل الجهد والمال الذي تكبدته بتورطها في كل من سوريا والعراق واليمن، وحتى لا تدفع فاتورة جديدة، قيمة التبدلات الجارية، ولهذا استقبلت ممثلين عن جماعة الإخوان، ربما عوضت خسارتها لأردوغان، خصوصا أن الجماعة متحالفة معها في كل من اليمن وسوريا والعراق.

إن إعادة التموضع وفقا لموازين جديدة ليست بالأمر السهل، والتسرع قد يؤتي بنكسات، فالجماعات الإرهابية يمكن أن تصاب بلوثة أكثر حدة، عندما تجد أن الجميع قد تخلوا عنها، وما ضربة "سوروج" في تركيا إلا علامة لها دلالتها، فهي تنظيمات لا تتورع عن إرتكاب أية جريمة، واستخدامها للسلاح الكيماوي ضد أكراد سوريا يؤكد ذلك، ولديهم مخزون كبير من الأسلحة، وأعداد كبيرة من المقاتلين، لا يعرف أحد كيف سيكون مصيرهم لو جرى التضحية بهم، والإستغناء عنهم .. كما أن التأخر في التحرك قد يؤدي إلى التوغل في الأوحال، وعندها تكون الهزيمة حتمية.

المهم أن هذه المتغيرات يمكن أن تكون مفيدة جدا لمصر، وأن تفتح لها ممرات لتشغل الفراغ الناجم عن هذه التحولات، وهو ما يحتاج إلى رؤية ودراسة متأنية، واتخاذ القرار المناسب في التوقيت والتوجه.