عمان – (نوى) خاص :
مع القرار غير المعلن لوكالة الغوث "اونروا" الاخير في تراجع خدماتها يكون الفلسطيني قد دخل في نفقٍ مظلمٍ فيما يتعلق بقرار عودته إلى وطنه التاريخي، تراجع الخدمات الذي بدأ منذ سنوات خاصة في تقديم المساعدات العينية والطبية والانسانية، بات قراراً سياسياً سيتسبب في أزمة للاجئين في مخيمات الشتات.
كل فلسطيني في الأردن يعيش هاجس هذا الانقطاع في الخدمات الأساسية من جانب، ومن جانب آخر يعيش إهمال سياسي فيما يتعلق بقضيته "العودة" إلى وطنه ومدينته وقريته، قضية تمثيل الفلسطيني سياسياً باتت منتهية أو في مهب الريح بسبب إهمال منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، كما أن الفلسطيني في الأردن وجزء كبير منه يعيش كمواطن أردني في الجانب الرسمي، والجزء الآخر يعيش كنصف مواطن من حملة جواز السفر المؤقت.
تداعيات عديدة دخلت على وضع اللجوء الفلسطيني في الأردن وهي في المجمل متشابكة وتحتاج الى متابعة فلسطينية – أردنية، أبرزها طمأنة اللاجئين بحق العودة والتعويض.
أما الفلسطيني من حملة الجواز السفر الاردني فهو الأقل حظاً في الكثير من مناحي الحياة، رغم أن الدولة الأردنية مؤخراً قدمت الكثير من المزايا التي تهدف الى تحسين حياتهم ومنهم على وجه التحديد أبناء قطاع غزة.
هذا التحقيق يرسم ملامح وهواجس وأحزان فلسطينيي الأردن في عدد من المخيمات، فما زالت الكثير من المخيمات تعاني الاهمال في الخدمات، ينحشر الالاف من السكان في بيوت متلاصقة ومتقاربة، فمثلا الشاب محمود (24) يعاني هاجس التمييز الذي تم الترويج له منذ سنوات طويلة، "يكفي ان يعرفوا انك ابن مخيم حتي تشعر بما يحملوه لك من قلة احترام فهي شتيمة لك عندما يقولون انك ابن مخيم لان بعض من شباب المخيمات ذوي السمعة السيئة ودائما الحسنة تخص والسيئة تعم ، فالفلسطينيون بالاردن يعانون من التمييز في المعاملة حتى ما بين الفلسطيني والفلسطيني" .

فيما يعاني أبناء قطاع غزة من عدم تسجيل ممتلكاتهم أو دخول الجيش كما يروي المسن عيسى (83) في مخيم حطين وهو من مدينة رفح عام 1948 "يتميزون في المعاملة عن ابناء غزة فليس من حق ابناء قطاع غزة في الاردن التملك او الدخول في الجيش او تسجيل ممتلكاتهم باسمهم او استخراج رخصة سياقة درجة عالية ولا يعرفوا ما هو سبب التمييز بين الفلسطيني والاخر الا انهم من غزة فعيشة المخيم صعبة جدا".
معاناة أبناء قطاع غزة الحياتية تتلخص أحياناً في اضطرارهم تسجيل ممتلكاتهم ومدخراتهم باسماء اشخاص من اصل اردني لان الحكومة لا تجيز لهم ذلك، وقد يتعرضون الى عمليات نصب واحتيال تلقي بهم في مهب الريح.
يشير عيسى إلى أن جميع إخوته يعيشون في مدينة رفح جنوب قطاع غزة؛ ويصعب عليه رؤيتهم او الذهاب اليهم فهو يحتاج "للم شمل" ولا يستطيع الحصول عليه رغم تقدمه في السن فقد خرج من رفح وهو يبلغ ال17 عاما ويتمنى ان يموت بمدينته التي ولد وترعرع بها ولكن.
أما فاطمة من سكان مخيم الحسين في عمان والتي هجرت مع عائلتها وسكنت مخيم الحسين ولم تغادره حتى الآن تقول :"الحياة هنا بسيطة وتعيش على قدر دخلك مهما كان"، تبتسم وتضيف :"أن كل ايام السنة عيد إذا كان الانسان مبسوط ولديه هداة البال والصحة فاجواء العيد جميلة هنا ولكن ستكون اجمل لو عيدنا في اراضينا المحتلة وعدنا اليها فهو حلم اتمنى ان يتحقق" وتضيف "لا استطيع ان ارجع للرملة فهي تتمني ان تخرج من المخيم الي حي او محافظة ارقي وافضل بالانسان بطبعه دائما يسعي للافضل له ولابناءه" .

فيما يحنّ أحمد (55) عاماً مهجر من السموع قضاء الخليل عام 1967 إلى مخيم الشاطىء في قطاع غزة، ثم إلى مخيم جرش لينتهي به الحال أخيراً في مخيم الحسين، تلمع عيونه شوقاً إلى مخيم الشاطئ، يتذكر زرقة البحر المواجه للمخيم ومياهه الدافئة، فعندما كان صغيراً لا يطفئ حر يومه إلا السباحة في بحر مخيم الشاطئ، بمرارة بقول :"ليتني أعود إلي مخيم الشاطئ لأعيش باقي عمري به، فلا أحد يكره الرجوع إلي بلده" .
يعمل أحمد حتى في أيام العطل والأعياد ليوفر قوت أبناءه الـ12 ويضطر كل يوم للعمل لساعات متأخرة ببيع اللحوم والمجمدات حتي يؤمن احتياجات عائلة الكبيرة.
في مخيم البقعة يعاني السكان هناك من شحّ الخدمات العامة والفقر المستشري بين اللاجئين، القمامة منتشرة حتى أمام مركز توزيع المساعدات التابع (للاونروا) وأمام أبواب مدارسها وفي كل مكان، البيوت متلاصقة، الحياة المعيشية غالية بعد لجوء الكثيرين من السوريين والعراقيين وسكنهم في المخيمات وخصوصا البقعة .

الحاجة أم تيسير من بلدة خانيونس تجاوزت السبعين من عمرها ولا معيل لها سوى دكانها الصغير الذي تضطر إلي تنشيف الخبز لتبيعه إلي جانب بعض الحاجيات، فهي تعيل نفسها وابنتها بعد ان ابتعد ابناءها لصعوبة الحياة وانشغالهم بحياتهم الخاصة.
دمعة حارقة تعبيراً عما تعانيه هذه السيدة :"في الحرب الأخيرة علي غزة استشهد لابناء اخوتها 7 منهم في خانيونس، وكانت تجلس امام شاشة التلفاز متلهفة لكي تعرف أي اخبار عندهم بعد قصف منزلهم ولكن قدر الله وما شاء فعل" تقول .
وتكمل ام تيسير "الفلسطيني مظلوم في كل مكان فهي طوال سنوات عمرها تجري في الحياة لتوفير قوت يومها فقط ولم تتدخر شيء للزمن" وتضع يدها علي خدها لتقول "في يوم من الايام سأموت ماذا سيحدث لبنتي بعدي ؟"
هناك في احد ازقة المخيم يلعب مجموعة من الاطفال الصغار علي الارجوحة بجانب اكوام القمامة وكأن المنظر اصبح مألوف لهم، مجرد ان تقول انك فلسطيني ومن غزة المقاومة والسلام رأيتهم بتلقاية يرفعوا علامة النصر ويتباهوا بها ويركضوا يسلموا عليك بعفوية جميلة .
هبة طفلة في عامها 10 تزينت بثوبها الفلسطيني قالت انا والديها دائما يحكون لها القصص التي سمعوها من ابائهم عن فلسطين فهي من جنين وتنتظر لتكبر لعل وعسى تستطيع ان تذهب الي هناك لتراها وتصلي بالمسجد الاقصى، فكثيرا ما تقول لصديقاتها بعفوية جملة يرددها جدها قبل ان يتوفي سنرجع يوما الى فلسطين.

اثناء تجولنا في مخيم البقعة كتب علي الجدران "لن ابقي لاجىء" تلك الجملة اثرت فيا كثيرا فأنا ايضا لاجىء حتى في غزة ولكن لن نبقى لاجئين وسنعود يوما ما .
يذكر أن في الأردن يقيم أكثر من 2.1 مليون لاجئ فلسطيني مسجلين لدى وكالة الغوث الدولية (الأونروا)، يعيش نحو 350 ألف منهم ضمن عشرة مخيمات رسمية وثلاثة أخرى غير رسمية وهي (مخيم الوحدات ومخيم جبل الحسين ومخيم حطين ومخيم البقعة ومخيم الزرقاء ومخيم الطالبية ومخيم سوف ومخيم جرش ومخيم الحصن ومخيم اربد).
