بقلم - د. عادل الأسطة:
(1)
سامح خضر هو أحد أبناء العائدين من خلال اتفاق أوسلو.ولد في المنفى وعاد إلى فلسطين اﻷسلووية ،وهو الآن يمكث في رام الله مديرا لمتحف محمود درويش.وقبل شهرين تقريبا أصدر روايته اﻷولى "يعدو بساق واحدة".
وربما ما يبدو لافتا في حركتنا اﻷدبية أن نقرأ لجيل جديد من العائدين الذين سمعوا عن الوطن فرسموا له صورة ما في مخيلتهم ولما عادوا رأوا صورة ما قد تتطابق مع الصورة المتخيلة وقد تتعارض.
في كتابه "ولدت هناك،ولدت هنا "يتوقف مريد البرغوثي أمام هذه الإشكالية وهو يأتي على قصيدة ابنه تميم "في القدس".يرى مريد أن صورة القدس في ذهن تميم تشكلت من خلال حكايا أبيه ثم لما زار تميم القدس رآها بعينيه هو وهكذا كتب عن القدس.
هل تبرز رواية سامح خضر صورتين لفلسطين؛المتخيلة في المنفى والمتجسدة على أرض الواقع من خلال الإقامة فيها بعد العودة؟وهل سيفاجيء الواقع المتخيل أم سيؤكده ويعززه؟هل سيستحضر المرء قول محمود درويش:يصبح الحلم سيفا حين يبلغه ويقتله؟
هل قتلت فلسطين على أرض الواقع كما رآها قاسم بطل القصة فلسطين المتخيلة ؟وهل سيبدأ قاسم الحنين إلى المنفى؟
هل كان الطريق إلى البيت أجمل من البيت؟وهل كانت الدقي في مصر أجمل من مخيم جباليا في القطاع؟
في القاهرة كان قاسم يرى،ذهابا وإيابا،طلابا وطالبات معا ،وفي الجامعة في غزة لم يعد يرى إلا الطلاب الذكور فأي وطن هذا الذي عاد إليه ولم يكن هذا الوطن يميز بين الذكور والإناث وحسب ،إنه أيضا يميز بين عائد ومقيم وبين مدني وبدوي وبين لاجيء وغير لاجيء.
ماذا سيفعل قاسم الذي لم يكن هذا ليخطر بباله وهو في المنفى؟
وكما رأى محمود درويش غزة مدينة البأس والبؤس فإن قاسم يرى الإقامة في غزة ضربا من الجحيم وهكذا يفكر بالهجرة وتقوده الظروف إلى رام الله ليستقر فيها.هل كان يسير على خطا محمود درويش الذي ما إن رأى البؤس في غزة حتى غادرها؟
رواية سامح خضر تطرح العديد من الأسئلة.
(2)
من من اﻷدباء العائدين لامس الواقع الجديد وعبر فيه عن العلاقة بين العائدين والمقيمين؟
أكثر اﻷدباء العائدين عبروا عن خيبتهم مما حققته اتفاقات أوسلو وسيظل أكثرهم يعبر عن معاناته على الجسر والحواجز وسينشغل بعض الكتاب بالكتابة عن المكان :ما كان عليه قبل 1967 وما صار عليه بعد 1993 وستنجز كتب حول هذا ،وستحضر الشخصية اليهودية /الإسرائيلية في نصوص عديدة،وقد يلامس بعض الكتاب العلاقة بين الفصائل المؤيدة ﻷوسلو وتلك المعارضة(أكرم هنية هنا تحديدا) وقد يعبر آخرون عن حنين إلى المنفى (ليانة بدر) ولكن هل شغل العائدون بالكتابة عن العلاقة بينهم وبين المقيمين وشعروا بالغبن والاضطهاد أم أنهم لم يعيشوا هذه الحالة وبالتالي لم يعبروا عنها ،ﻷنهم حظوا بكعكة أوسلو أكثرها ولم يتركوا للمقيمين سوى الفتات.؟
ربما شعر اﻷدباء المقيمون بالغبن أما اﻷدباء العائدون فقد خصوا بالكثير من الامتيازات ما جعل هذا الموضوع غير لافت،فما كان لافتا لهم أكثر هو خيبتهم مما أنجزته اتفاقات أوسلو؟
ﻷحمد دحبور عبارة لافتة ظل يكررها باستمرار في مقالاته:العودة إلى الجزء المتاح من الوطن.وأما خيبته من الإتفاق فكانت بتعبيره عن حسرته لما رأى حيفا:وصلت حيفا ولم أعد إليها.وأما محمود درويش فقد جعل عنوان كتابه (حيرة العائد)وتساءل فيه إن كان عاد أصلا .إنه زار فلسطين ولم يعد إليها.
قاسم في رواية سامح خضر أكثر العائدين معاناة من ثنائية الوطن/المنفى وثنائية العائد المقيم،فهو ينتمي إلى الجيل الجديد الذي عليه أن يعاني وقد يحصل على جزء من الكعكة وقد لا يحصل وسيشعر قاسم باغتراب كبير في غزة وسيتواصل هذا الاغتراب في رام الله في فترة انتفاضة اﻷقصى.
هل تعد هذه الرواية أكثر أعمال العائدين ملامسة لهذا الامر؟
(3)
هل شذت رواية سامح خضر اﻷولى عن كثير من الروايات اﻷولى لكثير من الكتاب؟
غالبا ما تكون الرواية اﻷولى لكثير من الكتاب رواية سيرية -أي تتكيء على تجارب شخصية للكتاب ،وفي هذا الجانب فإن (يعدو بساق واحد) هي من هذا النوع من الروايات.إنها رواية سيرية تروي قصة حياة سامح خضر الذي يتماثل مع قاسم بطل الرواية،فكلاهما عاد إلى فلسطين اﻷوسلووية إثر اتفاق أوسلو.
السؤال اﻷهم هنا هو :هل تشابهت هذه الرواية في أسلوبها مع كتابات العائدين؟
ربما وجب على الدارس أن يستعرض روايات اﻷدباء العائدين كلهم ونصوصهم النثرية أيضا؟
أصدر زكريا محمد روايتين وغسان زقطان رواية ومثله زياد عبد الفتاح ،وكتبت مايا أبو الحيات ثلاث روايات اطلعت على اثنتين منها ،وأغلب هذه الروايات تقليدية الشكل.ربما شذت عنها رواية السيدة من تل أبيب لربعي المدهون فقد حاول أن يكتب رواية غير تقليدية الشكل.
ربما ما لفت اﻷنظار أكثر في أدبيات العائدين هو أسلوبها ،وأقصد بهذه اﻷدبيات أعمالا نثرية انتشرت أكثر من غيرها ولاقت صدى واستقبلت نقديا ومنها نصا مريد البرغوثي ونص فاروق وادي وكتاب محمود شقير "ظل آخر للمكان".طبعا هؤلاء كتاب لهم باع طويل في الكتابة ،خلافا لسامح خضر فقد كانت "يعدو بساق واحدة هي روايته اﻷولى.
ويمكن القول إن أسلوب كتابات البرغوثي ووادي وشقير -نسيت الاشارة إلى كتاب محمود درويش "في حضرة الغياب" -كان أسلوبا متميزا ،فقد نوعوا في السرد و وظفوا ضمائر عديدة في الكتابة وتنقلوا ما بينها..ولما توزع أكثر هؤلاء على زمنين؛الماضي قبل67 والحاضر -بعد 93 فقد جرد أكثرهم من نفسه شخصا آخر وأخذ يخاطبه وهكذا نلحظ توظيف الضمير الثاني في الكتابة،وهو ما كان محمود درويش وظفه في يوميات الحزن العادي 1973 و وليد أبو بكر في "الخيوط"1980 -كما أخبرني-وكنت وظفته في روايتي (تداعيات ضمير المخاطب )1993.
سامح خضر يكتب رواية تقليدية الشكل ،ويبدو أن هدفه اﻷساس هو التعبير عن التجربة ،وكأن الشكل الفني لم يؤرقه كثيرا.يسرد السارد الرواية مستخدما الضمير الثالث ويسرد أحداث روايته سردا تقليديا،وهنا يمكن القول إن الرواية في بنائها وأسلوب سردها لم تضف جديدا إلى الرواية الفلسطينية.وعلينا ألا نقسو كثيرا على مؤلفها فهي روايته اﻷولى على أية حال.
