فضولي دفعني للذهاب إلى عمارة قراعة في بيت لحم، بعد الاثنين الأسود، رسمت في خيالي كل مشاهد الدمار والخراب وحتى السواد، ولكن لم أرسم بخيالي ما رأيته اليوم، بداية دعوني أحدثكم عن قراعة قبل الخراب ..... وعمارة قراعة، إحدى عمارات بيت لحم الحيوية، وتكاد تصبح معلم من معالمها، على باب العمارة بائع الورد دائم الابتسام والأشهر في بيت لحم لديه أجمل أنواع الورود والأهم من ذلك ذوقه الجميل في ترتيبها في باقة أو تزيين سيارة، فيما يزين الشارع عدد من المحلات التجارية ومراكز طبية وقاعة أفراح.

أما الاثنين الأسود لبيت لحم فكان بتاريخ الثالث من تموز( يونيو) الفائت حيث حدث شجار بين شابين من عائلتي ادعيس وسباتين، ونهاية الشجار كانت مقتل الشاب محمود سباتين على يد آخر من عائلة ادعيس، لم ينتهي الموقف هنا، بل قام القاتل بالهرب إلى مدينة القدس، وتسليم نفسه للشرطة الاسرائيلية؛ كونه يحمل الهوية الزرقاء، وبذلك وحسب اعتقاده يكون قد فلت من العقاب ، أما عائلة القتيل فقامت بالتوجه لمنازل عائلة القاتل والبدء بحرقها وتهجير أصحابها منها ومن ثم التوجه كان لمحلات عائلة القاتل والبدء أيضا بحرقها وحرق المحلات المجاورة لها ، نصيب الأسد من هذه الفوضى والحرائق كان من نصيب عمارة قراعة حيث تشوهت العمارة بالكامل إضافة إلى التسبب بوفاة سيدة تبلغ الخمسين من عمرها تدعى أمل عودة والتي فقدت الأمل بنجاتها بعد سقوطها من الطابق الثاني هربا من النيران .
قراعة اليوم تتشح بالسواد الذي سيطر على عقولنا وجعل منظر الخراب والدمار والنار رائع بالنسبة لنا ويشفي غليلنا من غريمنا ، قراعة اليوم تقول لنا هذه هي نتيجة عدم إيمانكم برب العباد ، هذه نتيجة التسرع وفورة الدم والرغبة بتدمير الآخر ، هذه نتيجة رغبتنا بنشر الفوضى وإلغاء القانون وسن قانون " العين بالعين والسن بالسن " ، قراعة اليوم تقول لنا هذا ما أراده الاحتلال فنجح ، قراعة اليوم حزينة على روح أمل عودة وحزينة على حرقها وحزينة على قطع أرزاق الناس وحزينة علينا أكثر من أي شيء آخر .
ما حدث لقراعة لا يقبله ولا يشرعه أي دين فبأي حق قبلناه نحن؟ الموضوع كان بحاجة لقليل من الحكمة وضبط النفس قبل البدء بعمليات الانتقام والاستمتاع بها، هل هذه طريقة ناجعة لحل مشاكلنا مشاكلنا واختلافنا مع الآخر ؟ هل هذه الطريقة الأسهل لإثبات بأني على حق ؟
أقول إلى من حرقوا وتسببوا بموت (أمل عودة) هل تنامون مرتاحي الضمير ؟ هل بحرقكم استطعتم القبض على القاتل والاقتصاص منه ؟ هل حرقتم قلبه على رزقه ورزق عائلته ؟ هل بحرقكم لكل هذه الممتلكات استطعتم إحياء القتيل من جديد؟
دعونا نعود للدين، لربنا، لصوابنا، لا تدعوا فكر داعش يسيطر علينا، لا تستصيغوا فكرة القتل والحرق والدمار، لا تستسلموا للنفس الأمارة بالسوء، دعوا السلام يعود لمدينة السلام .
