حول ممانعة الممانعة
تاريخ النشر : 2015-07-21 22:39

بقلم - ربيع بركات :

ثمة أسباب كثيرة لرفضِ منطقِ محورٍ إقليمي وصفه أنصاره بالـ «ممانع» على سبيل المدح أثناء تشكّله، قبل أن يتحوّل الوصف إلى مذمّة يستخدمها أنصار المحور الآخر، ويلوكُها غُلاتُهم بشيءٍ من الهذيان اليومي.

فمحور «الممانعة» المذكور لم يكن متناسقاً عقائدياً في يومٍ من الأيام. جمع إسلاماً سياسياً شيعياً وآخر سنياً مع نظام يصف نفسه بالعلمانية، ووضع في سلّته «قلبَ العروبة النابض» مع «وريثة الامبراطورية الفارسية». هكذا، أقلّه، كان في نظر الخصوم.

وقد حطّ هؤلاء من شأن هذا المحور لأنه «لا يمتلك مشروعاً حقيقياً»، إذ كلّ ما فيه يقوم على نقض حقائق موجودة، وعلى العبث بها أو محاولة تحطيمها بالقوة. وهو بذلك يُعرَّف بالضد، لا بالإيجاب. وهذه طامة كبرى لمن يسعى إلى تصدير نموذج قابلٍ للحياة في الإقليم. فالعقائد التي تفتقد إلى مشروع يتجاوز «تبشيرها الثوري»، حتى لو كانت قادرة على تفكيك الموجود أو تعبئة فراغاته، لا يمكن أن تعمّر كثيراً.. اللهم إلا إذا أعادت تعريف نفسها ودخلت في النظام الدولي المُسيّر لشؤون الحياة على هذه المعمورة، والتزمت بضوابطه وتخلّت عن «جموحها». وهذا الأمر بالضبط، بالنسبة لهذه النخب، ما يحصل اليوم مع إيران بعد توقيع اتفاقها النووي.

وقد راحت هذه النخب ومتلقّي إنتاجها «المعرفي»، على مدى عقدين تقريباً، «تُمانع» الممانعة، بفجواتها وعوائدها على السواء، كما لو أن «الممانعة» تلك مجرد سلوكٍ مَرَضِيٍّ مذموم، أو كتلة من الأفكار الراديكالية العبيطة، التي تفتقد إلى التعقيد أو إلى مبررات وجودٍ حقيقية. وخذلت بعضَ هؤلاء إدارةُ الرئيس الأميركي السابق، إذ تباطأت في شن حروبها القاضية بصوغ شرقٍ أوسط جديد، يناسبُ مزاجها ويتوافق وهواها التوّاق إلى «مستقبل أفضل». وهي اليوم تتغزل بخلَفه الرئيس أوباما الذي، كما تعتقد، يتابع السير على الطريق ذاته، برؤيوية مُتخيّلة عزَّ نظيرها.

والثابت في هذا الإطار، أن مصلحة الولايات المتحدة، كقوة عظمى، تقتضي محاولة استمالة فرقاء جدد إلى صفها لتعويض احتمال خسارة آخرين، أو إلى تطويع الخارجين عن هذا الصف بأساليب شتى. وهاتان عمليتان مستمرّتان دوماً. ولئن كانت القوة العارية تمثل الأسلوب الأخرق للمحافظين الجدد زمن بوش الابن في مساعي التطويع، فإن القوة الناعمة أسلوبُ خلفِه أوباما اليوم. والأسلوب هذا قائم على محاولات تعديل موازين القوى داخل النظام الإيراني نفسه وتغيير خريطة الاقتصاد السياسي لإيران، عن طريق الزج بجحافل الشركات العملاقة العابرة للحدود.

الثابت أيضاً أن تعديلَ طبيعة المواجهة هذا يفترض إعادة تقييم في السياسات. فإيران لا تريد التخلي عن حلفائها ولا فتح ثغرات في أمنها القومي. لكنها لم تعد تواجه أيديولوجيي المحافظين الجدد، وصارت أكثر قدرة على الإفادة من وجوهها الإصلاحية، غير الخارجة على نظامها، لكن المُليّنة لسلوكه. والنجاح في هذا الإطار طبعاً غير مضمون، لكن طهران أظهرت قدراتٍ كبيرة على التّكيف وصناعة البدائل حتى الآن، سواء في العمل الديبلوماسي أو ذاك العسكري على الأرض.

إحدى مشكلات النخب التي امتهنت الاستخفاف بمنطق «الممانعة» إلى حدٍ مبالغ فيه، تكمن في أن من يقاتل عنها اليوم، لم يعد الرجل الأبيض حامل الوعود البرّاقة، بل حامل سيفٍ يرغب بحصد الرؤوس، علماً أنها ليست على لائحته استثناء. بينما خصومها قاتلوا باللحم الحي (حروباً عسكرية أو حصاراً اقتصاديا)، وعُيّروا بقتالهم هذا وحوكموا عليه، بصفتهم «لا يحبون الحياة».

يفيد أن يعتبر هؤلاء من تجربة خصومهم الممانعين في المنطقة، من تكاليفها الباهظة وإخفاقاتها الكبيرة من ناحية، ومن إنجازاتها البيّنة التي ما زالت تحتمل الانتكاس، كما هو حال كل شيء يدور في فلك السياسة، من ناحية أخرى.

والحال أن الاعتبار من «الممانعة» دعوةٌ تتصل بإيران أكثر من غيرها. فحلفاؤها في الإقليم دفعوا وما زالوا يدفعون أثماناً، وبعضهم يترنّح مدافعاً عن وجوده أو هو منخرط في حروب المشرق الأهلية، وقد خسر بالتالي معركة الحفاظ على كامل بيئته الحاضنة أو لحمة مجتمعاته الوطنية أو المحلية. وهذه خسارة بلا شك، سواء سلّم المعنيون بها أم لا، وسواء أحالوها إلى مؤامرة خارجية أم أعادوها إلى أسباب داخلية.

لكن، بعيداً عن منطق السجال، فإن القضية الأساس هنا تتصل بالقدرة على التفاوض وتحصيل المكاسب من موقع القرار المُستقل، كما فعلت إيران (أو نظامها الحاكم)، بدلاً من الالتحاق التبعي بالخارج ومحاولة شرائه باستثماراتٍ وقواعدَ عسكريةٍ وصفقات أسلحةٍ بعشرات مليارات الدولارات، كما تفعل معظم دول الخليج.. أو أنظمتها الحاكمة. علماً أنه يصحّ، سجالاً، وصف المنتسبين إلى هذه النخب بـ «ممانعي الممانعة»، بنجاحاتها وإخفاقاتها معاً. ويفيد هنا استخدام منطق هؤلاء ضدهم بآية معكوسة. فقد بات يُعرّف بالضد، لا بالإيجاب. وهذه، كما أسلفنا، طامة كبرى لمن يسعى إلى تصدير نموذج قابلٍ للحياة في الإقليم.

على أن خلاصة الأمر تكمن في أن هذا الخطاب، بوجهيه، لم يعد يصلح لمن يريد حصة على المسرح الإقليمي المقبل. آن الأوان لتجديد العدّة النظرية. إيران تفعل ذلك من دون قطعٍ مع مسارها السابق ولا تخلٍّ عنه، أو أنها تجهد لذلك بما يتناسب مع مصالحها وثوابتها الاستراتيجية أولاً، ومع مصالح حلفائها بعد ذلك. أما الآخرون، فـ «يُمانعون» التحولات هذه بمجملها، ويقفون بِعنادٍ على ضفافها من دون حيلة تذكر.. حتى الآن.

[email protected]