غزة_نوى _دعاء فايز شاهين:
تجلس الحاجة كريمة أبو حبل بثوبها المطرز وشالها الأبيض الجميل وسط عائلتها لاستقبال ضيوفها المهنئين بمناسبة عيد الفطر السعيد، لكنها وخلافاً للأعوام السابقة ردّت كل "العيديات التي تلقتها من أقاربها متنازلة عنها، لتكتفي بالقول:" تعيّدت كثيراً خلال سنوات عمري حين كانت ظروف الناس بخير، والآن أعان الله كل واحد على حاله".
والعيدية كتقليد اجتماعي هي عبارة عن مبلغ من المال يتدرّج حسب الوضع الاقتصادي لمن يقوم بالمعايدة، الذي يقدمه لأرحامه في أيام العيد، حيث درجت العادة على أن يقدمه الرجل لأرحامه من النساء وبناتهن عن كنّ متزوجات.
تنفق الحاجة أبو حبل جزءاً من مالها لمعادية أحفادها بالعيد، كي تشعرهم بالفرحة، فهي تدخل البهجة على نفوس الصغار قبل الكبار ولتعبر كذلك عن حبها لهم.
تكبيرات العيد والزينة والحلويات والملابس الجديدة وحدها لا تكفى، بل ترافقها العيدية حيث ننتظرها بشغف كبير فلا يوجد نكهة للعيد بدونها ، بهذه العبارات بدت الطالبة الجامعية "ولاء السيد " حديثها في وصف العيد والعيدية على وجه الخصوص، محصية لها وعاقدة عليها آمالها في تلبيه احتياجاتها الخاصة، على الرغم أنها لم تكن بالمبلغ المتوقع.
تقول ولاء بابتسامة ملأت وجهها:"بلغت عيديتى 250 شيكل حصلت عليها من أبى وإخوتي، مبلغ لا بأس به مقارنة بالعام الماضي حيث كانت الحرب، ولم يستطيع أحد الخروج للزيارات والاحتفال بعيد الفطر".
تتابع:" إذا قارنت العيدية حالياً بأربع سنوات فائتة لم تكن أقلّ من 500 شيكل، لكن الأوضاع الاقتصادية الصعبة لها تأثيرها على الناس فالكثير ممن كانوا "يعايدوني" ليس لهم مصدر دخل الآن".
أما الطفل محمود شاهين "10سنوات"، فقال بفرح :"انتظرت العيدية بفارغ الصبر لأشتري دراجة، عيديتي فقط 100 شيكل كنت أتوقع أكثر، لكن أمي ستكمل لي من عيديتها وأشتري دراجة".
يضيف محمود وبريق البراءة يتزايد في عينيه:"العيدية كنز بالنسبة لي، كل مرة أشتري شيئاً مهما".
للعيدية وجه آخر يظهر المحبة والتعاون حيث أرادت الأربعينية أم عمر مقاسمة زوجها بمبلغ 1000 شيكل "أي نحو 250 دولار"؛ وهو مجموع عيديتها من أبيها وإخوتها وأعمامها وباقي الأقارب، وهي فرصة ذهبية للتنفيس عن حال زوجها الذي يعاني ظروفاً اقتصادية صعبة.
تقول أم عمر: "سأعطي زوجى 500 شيكل كي يخر ج لزيارة رحمه والمعايدة عليهم، دائماً أشجعه على ذالك، أي امرأة تشعر بالسعاة عند حصولها على عيدية فهي تقليد شعبي تعودنا عليه منذ زمن، وبباقي العيدية سأشتري أثاثاً للبيت".
الظروف الصعبة التي يعيشها المواطنون الفلسطينيون في قطاع غزة؛ ووقوعهم بين فكي الحصار؛ بالإضافة لسوء المعيشة والفقر والبطالة، جعلت الكثير منهم غير قادر على معايدة الأهل، خاصة بالنسبة للموظفين الذين كانوا عملون لدى حكومة حماس السابقة وتوقفت رواتبهم منذ أكثر من عام عقب اتفاق المصالحة عام 2014، فهم لم يحصلوا سوى على 200 دولار بالكاد تكفي لسد رمق أولادهم من الطعام، ناهيك عن الديون المتراكمة عليهم.
رغم أن المواطن جمال أحمد –وهو موظف لا يتلقى راتباً- حاول تقسيم هذا الجزء البسيط ورفع مبلغ لمعايدة قريباته، لكنه عجز عن ذالك بسبب وضعه المعيشى الصعب، حيث يرى فيها عبئاً ثقيلاً على كاهله.
إلا أن زميله الذي يعاني ذات الوضع عبد الله جودة اكتفى بحمل بعض من الحلويات أثناء الزيارة، وزيارة أرحامه معايداً عليهم بقوله :"لا يكلف الله نفسا إلا وسعها"، داعياً أقاربه إلى تقدير الظروف التي يمر بها هو وباقي الموظفين.
يرجع أصل العيدية إلى العصر المملوكي في مصر، حيث اتخذت أشكالا مختلفة لم تكن نقوداً فقط كما هو الغالب الآن، بل هناك الحلويات والشكولاتة والطعام، فكل عصر كان يتميز عن الآخر في كيفية إعطائها إلا أنها لم تكن رسمية في العصر المملوكي إلى أن تم تأكيدها في العصر الفاطمي من باب صلة الرحم والأقارب.
أستاذ علم الاجتماع بجامعة الأزهر بغزة ناصر مهدي يرى أن للعيدية قيمة اجتماعية مهمة جدًّا؛ ففي القدم كانت توزع للنسوة لإشعارهن بالمسئولية، وكانت تعد مصدر دخلٍ لهن، فعمل المرأة وقتها كان محدودًا، أما الآن ومع وجود الكثير من النساء العاملات فالعيدية تعطى من باب زيادة التكافل والود والمحبة بين الأرحام والأقارب.
ويضيف مهدي أن العيدية كذلك تعمل على مد جسور التعاون ين العائلات، وفيها تفريج عن بعض العائلات التي تعاني من ظروف اقتصادية صعبة، فهي قد تسد باباً من أبواب الحاجة خاصة بالنسبة للنساء والأطفال، لكنها كغيرها لم تفلت من مقص الوضع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه قطاع غزة.
وتبقى العيدية عادة اجتماعية يسعى المجتمع الفلسطيني للحفاظ عليها رغم كل الظروف التي يعانيها ورغم أنها تشكّل عبئاً اقتصادياً إضافياً خاصة للفئات محدودة الدخل، لكنها أيضاً مصدر دخل مهم خاصة للنساء غير العاملات.
