كتب - حسن عصفور*
بعيدا عن السلوك الذي يتحكم في رد الفعل الرسمي وغير الرسمي من ايران، سلوكا سياسيا ومواقفا تثير "الريبة" أو الغضب منها، الا أن الاتفاق حول "النووي الايراني" مع الدول الغربية (5+1) يشكل "خطوة استراتيجية هامة"، ويمكن وصفها بـ"تاريخية" كما قال عنها الرئيس الأميركي، كونها تضع أسسا ومرتكزات لاعادة صياغة المعادلات الاقليمية عامة، والموقف من "النووي الاسرائيلي" خاصة، وبالتالي ليس من الخطأ قياس رد فعل دولة الكيان بميزان من ذهب نحو الاتفاق..
يفتح الاتفاق الباب واسعا امام الدول العربية كافة والفلسطيني خاصة، لوضع "المشروع النووي" لدولة الكيان الاسرائيلي على طاولة البحث، والعمل على مطاردته كي يخضع أولا للرقابة الدولية، ضمن معايير معلومة أقرتها وكالة الطاقة النووية، وثانيا ازالة الإدعاء الكاذب، ومنذ سنوات استخدمته حكومات الكيان المتلاحقة ذريعة لإرهابها وعدوانها في المنطقة، بمسمى "الخطر النووي ايراني"، وتجاوب الغرب السياسي مع تلك الإدعاءات، سواء كانت كذبا أم بعضا من الحقيقة..
ولذا، لم يكن التحالف بين جمهوريي اميركا وحكومة نتنياهو، والتحدي الوقح لاستخدام بيبي ضد الاتفاق، "تعبيرا" عن "مصلحة شرق أوسطية" أو إقليمية، بل جاء في سياق "التلاعب الداخلي" في ظل صراع السياسة والانتخابات، وايضا كشف مدى أهمية "العصا الترهيبية" لدولة الكيان في المعادلة المركزية للولايات المتحدة في اطار الترتيب الإقليمي، وهو ما يكفي وحده سببا لكي لا يكون أي عربي ضد هذا الاتفاق، بعيدا عن الخلاف السياسي من المنهج الايراني تجاه قضايا عربية رئيسية، وخاصة احتلالها جزر اماراتية وموقفها من الأحواز، وكثير غيرها، لكنها قوة اقليمية لا يمكن تجاهلها بالطريقة الساذجة التي يحاول البعض أن يرسمها طريقا ومنهجا للتعامل معها، على قاعدة مذهبي" سنة وشيعة"، صراع كان لدولة الكيان والولايات المتحدة وقبلهما بريطانيا دورا مركزيا في تعميمه..
لسنا في بحث تاريخي فكري للعلاقة المذهبية، ولكننا أمام "إتفاق" يفتح الباب واسعا لصياغة اقليمية جديدة، ترفع من القيمة الاستراتيجية للدولة العربية، بل وقدرتها على وضع إسس جديدة لمجمل علاقاتها الدولية، وبالتحديد مع الدول الغربية، إن أحسنت قراءة مفعول الاتفاق ونتائجه..
ليس عيبا سياسيا أن تستفيد الدول العربية من نتائج الاتفاق النووي، بل هو ضرورة واجبة لتغيير شروط العلاقة غير المتكافئة أو التابعة أو الخاضعة، حسب القدرة، بينها والولايات المتحدة وغيرها من الدول المعروفة باسم "الاستعمارية"..والامكانية باتت قائمة بدلا من "اطلاق عويل سياسي"، أو التعبير عن "مخاوف" لم يعد يجدي معها نفعا أن تنتظر "قوة من خارجها"، اعادة ترتيب أوراق القوة التي تمتلك..
ولذا يمكن اعتبار قرار قمة شرم الشيخ الأخيرة بتشكيل "قوة عربية عسكرية مشتركة" خطوة استبقاية لرفع المكانة السياسية للدول العربية في صراع "الإرادات"، وفرض حقائق جديدة بعد أن بدأت الولايات المتحدة وتحالفها يفقد الكثير من هيبته، بل وإنكشفت للبعض أنه لا يوجد قيمة لعلاقة معها فيما لو كان لها "مصلحة" في زاوية أخرى..لا صداقة دائمة ولا عداوة دائمة بل هناك مصالح دائمة..ذلك المبدأ الذي تستخدمه قوى الغرب، سواء وصمت بالاستعمارية أم لا..
اعادة التفكير بصياغة العلاقة بعيدا عن بعض الخلافات السياسية الطارئة قد يكون عنصرا استراتيجيا للموقف العربي، وهو ما يعني أن تعيد بعض الدول العربية موقفها من العلاقة مع الاتحاد الروسي، وتطويرها لتصبح "معادل استراتيجي" لتحفظ مكانتها وقيمتها في المعادلة الدولية، وخاصة أن "الاتحاد الروسي" بدأ في صياغة أسس جديدة للعلاقات الدولية، تقترب كثيرا من الرؤية الاستراتيجية العربية مصالحا وقيما، وهو ما تفتقده أصلا العلاقة مع اميركا..
وبلا شك، فالاتفاق يمثل فرصة ذات بعد تاريخي، ليس بما له من انعكاس على الوضع الأمني -السياسي في المنطقة، بل بما يشكله من اعادة صياغة العلاقة العربية - العربية أولا، والعلاقة العربية الايرانية ثانيا، من خلال تشكيل فرق عمل تبحث اسس جديدة للعلاقة المستقبلية، دون وضع العراقيل السياسية - المذهبية في طريق التفكير الاستراتيجي للعلاقة العربية - الايرانية..
لا يمكن اتفاق ايران مع الدول الغربية على أحد أهم اسلحتها الاستراتيجية، ويتم وضع إسس جديدة للعلاقات بينهما، رغم "العداء السياسي المعلن"، ومسميات حملت وصف "الشيطان الأكبر"، دون أن تقف ايران والدول العربية أمام علاقتهما التي تقل كثيرا عما كان مع اميركا وتحالفها..
والمراجعة السياسية لا يعني أن كل المطبات والعراقيل أوالخلافات سيتم حلها بشكل فوري وسريع، بل هناك ما سيبقى وما يمكن أن يبرز أيضا، لكن البحث في وضع منظومة لحل الخلافات، والسيطرة على كل ما يمكن أن يشكل خطرا على تفجيرها، يمثل خطوة لا بد منها، ويمكن أن تكون قريبا لو أن الدول العربية انطلقت من رؤية البحث عن الحل وليس استدعاء الخلافات..
وبالتأكيد، فإن روح القمة العربية الأخيرة في شرم الشيخ، وعودة مصر بروحها القومية الجديدة، المتعاونة وليس المتصادمة، وقدرتها الاقليمية بقادرة على صياغة اطار جديد للعلاقة الايرانية العربية..
لا يجوز أن يستمر البعض العربي بخطف روح العمل نحو الحل السياسي، والغاء كل ما من شأنه استدعاء روح العداء بحق أو بدونه، ولوضع اسس جديدة للتعامل الدولي - الاقليمي، شرط ان يعي البعض أن المكانة الاقليمية العربية لا تأت برضا أميركا او موافقتها، وليكن الاتفاق النووي حافزا فقط للتفكير قبل أن يكون مثالا سياسيا..
الاتفاق في جوهرة يشكل "فرصة سياسية تاريخية" لصياغة معادلة اقليمية - دولية جديدة، تزيد من الوزن العربي، قيمة وحضورا ودورا، وبلا شك يمكنها أن تفرض مشهد مختلفا في العلاقة مع ايران..
الاتفاق بذاته قد يكون، ايضا بوابة حصار لسياسة دولة الكيان الاستعمارية العدوانية، ليس فقط ضد شعب فلسطين، كما يظن بعض من قصيري الرؤية، بل ضد الدول العربية جمعاء، ولم يكن التعبير بأن القضية الفلسطينية هي قضية العرب المركزية كونها فلسطين، بل للدور الأخطر لدولة الكيان ضد العرب من محيطهم الى خليجهم ومن بحرهم الى بحرهم، كي لا يظن البعض أنه يحمل وزر القضية الفلسطينية منحة أو عطاء، بل هي أول أبواب حماية تلك الدول والأنظمة مهما تعددت الأسماء..
لم يكن مصادفة أن يكشف رأس الطغمة الفاشية الحاكمة في تل أبيب بيبي نتنياهو موقفه الحقيقي من الاتفاق، ليحاول أن يقطف "ثماره" بتشريط اعتراف ايران بوجود الكيان كي يصمت..وهو شرط يكفي لوحده بلا اي شروط غيره لتعرية موقف الكيان..ورسالة إنذار للعرب كي لا يتركوا المشهد للتلاعب بين الكيان واميركا لاستغلال الاتفاق الموقع، بينما ينزو البعض العربي في حالة من الهلع غير المبرر..
الاتفاق يحمل دعوة لصحوة عربية شاملة لترسم قواعد استراتيجية لإدراك أن العرب قوة تستطيع أن تفرض شروطها، وأن تدرك ثانية، كما حدث في تشكيل قوة عربية مشتركة، أن العامل الذاتي المستند لعناصر القوة الحقيقة شرط الضرورة للبقاء والاحترام في آن..مقابل أن دولة الكيان تبحث مزيدا من الكسب على حساب العرب من خلال الاتفاق ليس لما فيه ولكن لما ليس فيه، وواحدة منها الاعتراف بالكيان دون ثمن مدفوع..
الفرصة تاريخية نعم لرسم قواعد وإطار عمل جديد مع ايران، رغم كل ما لنا عليها، لكن العلاقة لا يمكن أن تستمر بذات الآلية المريضة السائدة..الفرصة للعرب أقوى منها لإيران لو أريد تصويب المسار نحو المصالح المشتركة والحضور الاستراتيجي العربي..
آن الأوان أن يكف العرب عن الاستمرار في لعبة الاستخدام لخدمة الغير الاستعماري..وقد يبدو "فرضا سياسيا" ان لا يلبي البعض العربي المدعو الى "قمة في كمب ديفيد" دعوة الرئيس الأميركي، وإن ذهبوا ليلتقوا أولا مع رئاسة القمة وبعض الدولة ذات الثقل المركزي لترتيب أسس العلاقة الاستراتيجية على ضوء الاتفاق..
ليذهب من يذهب في إطار رؤية متفق عليها، وليتهم يجلسون مع ايران قبل السفر لكمب ديفيد، يطلبوا لقاء معها لمعرفة اسس الاتفاق ويسمعون منها بدلا من السماع عنها..وليتم ارسال وفد لموسكو لبحث مضمون العلاقات العامة ، وعندها سيرى البعض أن وزنه تضاعف مرات ومرات قيمة وأهمية، وأن أميركا تصبح مستجدية وليس العكس..المهم أن يؤمن البعض أن قيمته تفوق جدا ما يعتقده..تلك هي البداية وذلك هو الحافز المطلوب قراءته بعد "الاتفاق النووي"..
ملاحظة: مخيم اليرموك يئن ويصرخ..هل للممثل الشرعي والوحيد دور في وقف المعاناة أم تترك لكل مارق أو طارئ لتقديم "الاسعاف السياسي - الانساني"..رحم الله الخالد!
تنويه خاص: الا نهاية لحماقة الاعتقالات المتبادلة بين أجهزة أمن قطبي المصيبة الوطنية!
*هذا المقال نشر نصا في "زاوية امد" يوم 4/ 4/ 2015..بعد المراجعة وجدت انه لا يحتاج لأي تعديل..
