غزة-نوى-مي أبو حسنين:
قرب مدخل مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة وفي أحد أزقة المدينة، تسرقك رائحة كعك ومعمول العيد، التي تفوح من بيت متواضع تعمل فيه مجموعة من النسوة كخلية نحل بلا ملل ولا كلل لإعالة أسرهن وإسعاد الزبائن ضمن مشروع يُعرف بـ"كعك ريماس"، "هذه تلفٌ، وتلك تنقش، وأخرى تخبز"، في تكامل يؤكد براعة المرأة في إدارة مشروعها.
تسابق "أم محمود أبو سمعان 45عاماً" الزمن منذ بدء الثلث الأخير من شهر رمضان؛ لتلبية طلبات الزبائن قبل عيد الفطر، مستعينة بسرعتها العالية التي اعتادتها من طول عملها في هذا المجال وخبرتها في إدارة الوقت لتسليم الطلب بموعده.
إدارة وإتقان
تجلس أم محمود أمام فرن ملتهب الحرارة، تخبز صواني الكعك والمعمول في نهار رمضان، عن بدايتها في هذا المجال تقول دون أن تتوقف عن العمل:"بدأت صنع الكعك المنزلي للزبائن قبل 6 سنوات بدعم معنوي من صديقة لي بسبب تدهور وضعي الاقتصادي، ولتميزي في صنع الكعك والمعمول، وفعلاً استجبت للنصيحة".
تضيف وحرارة الفرن تزداد:"في البداية كنت أصنع كيلو أو اثنين على الأكثر، والبيع يقتصر على معارفي ومع الوقت وبفضل اتقاني لعملي وحرصي على الجودة وتلبية الطلبات بموعدها؛ ازداد الطلب ليتوسع إلى محال السوبرماكت".
تلتقط أنفاسها من عناء الخبز وتبتسم:"لا أنسي فضل أمي على، هي من علمتني صناعة الكعك، والدتي كانت تخبز لكل الحارة".
بفخر تلفت أبو سمعان الانتباه إلي كم الاحترام الذي تجده من أصحاب السوبرماركت بقولها:"يضرب لي سلام عند دخولي، أنت سيدة جدعة وتكسبين من عرق جبينك".
يشار إلي أن أم محمود توزع بضاعتها على أكثر من "40" سوبر ماركت، علاوة على طلبات النساء العاملات، وربات البيوت.
سر الصنعة
يتميز كعك أم محمود بمذاق مميز، يعكس "نفسها الطيبة"، في إعداد الحلويات، ويؤكد تجذّر هذه الحلوى في قاموس التراث الفلسطيني.
"على الجوال الكل يتصل بي ويسأل عن سر الكعك، لا أبخل على أحد أجيب الجميع باستمرار" هذا هو الرد المصاحب لها فور سؤالها عن سر المهنة.
ويصنع الكعك والمعمول البلدي من السميد الناعم (نوع دقيق من الطحين)، والسمنة البلدية والزيت، إضافة إلى المنكّهات من دقة الكعك والسمسم، ويحشى بالتمر والفستق والجوز.
تستدرك وهي تواصل لف الكعك وترتيبه في الصينية قبل خبزه :"جاءتني سيدة تعمل ضمن العمل النسائي تريد، أن تتعلم صنع الكعك حتى تقوم بتدريب الفتيات الصغيرات، ولم أبخل قط عليها بالنصحية وبلا مقابل".
تضحية وعناء
من جانبها تقول نسمة أبو سمعان وهي إحدى العاملات بالمشروع:"خالتي أم محمود لم تصل لهذه المرحلة إلا بعد تضحية وعناء".
تضيف:"في أحد الأعياد، أذن الفجر وأم محمود يغالبها النعاس على "جردل" العجينة لتلبي احتياجات الزبائن".
عن طقوس أكل الكعك والمعمول تقول أم محمود "الكعك البلدي يقدم مع الشاي، أما المعمول فيقدم بصحبته القهوة، هكذا جرت العادة".
وتنصح أم محمود ربات البيوت لحفظ الكعك لأطول مدة ممكنة بضرورة حفظة بمكان بارد، ويجب أن يغطي، وتقسيمه لأجزاء عند التخزين حتى لا يتعرض للتلف عند الاستخدام في كل مرة.
الكعك مذاق وتجارة
يقدِّم "كعك ريماس"، منتجاته على مدار العام، بساعات عمل من التاسعة إلى الخامسة مساء، إلا أنهم ومع اقتراب العيد تواصل العاملات الليل بالنهار ليكون مناسبة تجارية لهن وبهجة للزبائن
"عيد الكعك"، بضحكة تصف أبو سمعان أهمية الكعك للأسر الفلسطينية، كعادة توارثتها الأجيال لا يمكن العدول عنها لما تجلبه من سعادة في نفوس الصائمين.
يقال أن الفراعنة هم أول من عرفوه، حيث كان الخبازون يصنعونه بأشكال مختلفة، وصلت إلى 100 شكل، وفي التاريخ الإسلامي يرجع الكعك إلى عهد الطولونيين حيث أنهم كانوا يصنعونه بقوالب مكتوب عليها "كل واشكر"، ثم أخذ مكانة متميزة في عهد الإخشيديين ثم بمرور الوقت أصبح موروث عربي وإسلامي في عيد الفطر بلا منازع.
الكل يطلب الكعك، ويريده طازجا" هكذا تصف ضغط العمل مع اقتراب العيد، لتكون فرصة لها ولعاملاتها لتحسين وضعهن المادي.
في إحدي زوايا البيت تجلس رحاب خضر(53)عاما من سكان مخيم جباليا بجوار زميلاتها اللواتي ينقشن الكعك والمعمول ويضعنه في الصواني، تقول بفرح وهي تواصل العمل:"الحمد الله تعرفت على "أم محمود"، التي شجعتني على المجيء، وأنا أعيل أسرتي ".
بجوارها تمدح شيرين الدنف (23)عاما إحدى زميلاتها" يا رب ما نعدم هاليدين الحلوات زي المكينة بتنقش".
أما نسمة أبو سمعان فتسارع بالقول وهي أيضاً معيلة لأسرتها:"الفضل لأم محمود في احترافنا للعمل، في البدء كنا بطيئات، لكن بصبرها وصلنا لهذه المرحلة".
ليس بعيداً من أم محمود تجلس (منى على)، 50 عاماً، وهي أيضا معيلة لأسرتها لتؤكد على روح العمل الجماعي والعدل في توزيع الربح "أقوم بتوزيع الكعك على المعلمات في المدارس، وما أجنيه لا أبخل على عيالى به".
بغرفة تذكرك بحياة المخيم تصطف "صواني "الكعك والمعمول، فيما تناوب صبية وفتى لا يتجاوز ال"15"عاما، لف وتعبئة ما يتم خبزه في الفرن.
يقول محمود:"هذا شغلنا لازم نشتغل علشان نعيش" برأفة أسأله:لا تمل من العمل؟ يأتي الرد سريعاً من أخته ميساء التي تعمل معه:"هذه صنعة بتكسب ذهب ونريد أن نتوسع ونكبر".
بلا رأس مال
""كل التكاليف على من طحين وسمن وغاز وأيدي عاملة كلها مسؤليتي"؛ بهذه الكلمات تصف أم محمود وضعها، وتتمنى أبو سمعان الحصول على تمويل ب"5أو 6" آلاف $، لتوسيع عملها وتوفير مكان أفضل، لكنها تصر على الاستمرار رغم كافة الصعوبات، وتلفت أم محمود أكثر من مرة أثناء الحديث لأهمية العمل بضمير وأمانة.
تقطع العاملة نسمة الحديث:"نود أن يكون لنا محل أو مصنع ولو بالإيجار لننجز عملنا بعيداً عن "الدوشة".
تشرح أبو سمعان وضع زوجها الصعب الذي تقتصر مهمته على التوزيع بعد تعرضه لحادث سير أفقدته سيارته، والقدرة على العمل لأشهر عديدة، حيث تعيل بمفردها عائلة مكونة من 20 فرد رغم أنها لا تنجب.
ما بين فرحة العيد والدخل الذي توفره هذه المشاريع الصغيرة، تثبت المرأة الفلسطينية قدرتها على صياغة نظرية الاقتصاد الخاصة التي تخرجها من حلق الضيق إلى واسع الطريق، رغم كل المعوقات، لكن الإرادة والاستفادة من المهارات الشخصية تصنع كل شيء.
