غزة- خاص نوى- مي أبو حسنين
ساوى الاحتلال الإسرائيلي بين المرأة الفلسطينية والرجل ليحيا حياة المنافي، والاعتقال، هي إذا "عدالة الظلم"، حين تتلاشي الفروق الجنساوية والتنظيمية أمام صنوف العذاب، التي يتلقاها كلٍ منهما، وهو لسان حال الأسيرة المبعدة قصرًا من الضفة الغربية إلى قطاع غزة دعاء الجيوسي.
في شقتها التي تقع غرب مدينة غزة استقبلت الجيوسي "نوى" بفرحة استقبال طفلها القادم، تقول "هذه المرة لست لوحدي أجري اللقاء، بل بصحبة طفلي الذي يفصلني عنه شهرين ويبصر النور، لأحتضن "علي" هذا هو الاسم الذي اخترته له.
"ليلة القبض على دعاء"
" لو صار عمري 100 سنة، لن تمحى من ذاكرتي "ليلة القبض علي"، وسأرويها لأولادي"، بهذه الكلمات المتشبعة بالآسي تستذكر الجيوسي يوم اعتقالها في6 حزيران/ يونيو 2002 .
تقول:" بعد غياب 60 يوما عن البيت لصعوبة المواصلات والتنقل من نابلس إلى طولكرم، وبإلحاح من الأهل عدت للمنزل، وسط فرحة الأهل بعودتي.
دعاء كانت آنذاك طالبة في السنة الثانية في قسم علم اجتماع في جامعة النجاح بنابلس، وقد التحقت بالعمل الطلابي داخل أروقة الجامعة.
تروي المشهد وعيناها تحبسان الدمع، "جبات ومدرعات ودبابات تحاصر منزلنا، والجميع في حالة ذهول ثم يطرقوا الباب ويأتي السؤال:"أين دعاء؟.
تتابع" لم يسمحوا لي بتبديل ملابسي، ولا انتعال حذائي، مقيدة اليدين معصومة العينين قادوني حيث المجهول!"، بهذا الحال تستحضر الجيوسي لحظة الاعتقال.
بمرارة تقول:" سحبوني الجنود للجيب، وبابا يسارع بالصراخ" ويقول"سأذهب معها"." تتوقف برهة من الزمن، ثم تواصل الحديث "ألقى الجنود والدي على الأرض"،ثم اقتادوني على هذه الحالة إلي مكتب الارتباط، مشيرة أنها تركت على هذه الحالة التي تخالف القانون الدولي والإنساني من الساعة الثانية ليلا حتى العاشرة صباحا، ثم تنقل لمركز الجلمة حيث التحقيق معها، والتهمة العمل الطلابي.
عن التحاقها بالعمل النضالي، تقول دعاء:" تربيت في بيت "زيارة الأسرى" جزء من طقوس العائلة، لي خال مبعد، وآخر أسير لعدة مرات"، تضيف" البيت وأمي منبع عشقي لقضية فلسطين، ومواقفها البطولية أثناء الانتفاضة الأولى، التي لم أعيها بشكل جيد لصغر سني آنذاك".
"لو كنت حجرًا؛ لانتفضت" تقول الجيوسي عن مسلسل الإذلال اليومي للمواطن الفلسطيني في الضفة أثناء انتفاضة الأقصى الثانية التي كانت بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير على حد وصفها.
" زغردي يا أمي"
"ستموتين، ستنسين في السجن، يا مخربة يا إرهابية"، بهذه الشتائم علَت جعجعة المجندات والجنود فور النطق بالحكم على الجيوسي لمدة 32 عامًا وثلاث مؤبدات، هكذا تصف المشهد الدرامي أثناء جلسة النطق بالحكم عليها.
تتابع بمزيج من مشاعر الألم والفخر،" كان الرد سريعًا من جانبي:" السجن لا يبنى على أحد، أنا مروحة، زغردي يا أمي" ، تواصل دعاء "كنت أعلم أن من يخوض طريق النضال أمامه طريقان لا ثالث لهما إما النصر أو الشهادة، تستدرك:" لكن واقعيا، حقا الوضع صعب على الأهل، لكنني كان عندي حجم من التفاؤل والسكينة لا يوصف أنني سأخرج من السجن ولن أبقى".
كان حدس الجيويسي صادقًا، فتم الإفراج عنها ضمن صفقة "الجندي شاليط" في 11 أكتوبر 2011، لتقضي فقط 10 سنوات من أصل 32 سنة، وثلاث مؤبدات.
تستذكر اللحظات الصعبة داخل الزنزانة الانفرادية " في لحظات السكون، صوت من داخلي كان ينادي: "لست وحدك"، مما يؤكد أن الله حاضرًا معنا فيزداد إيماننا بالله"، تضيف دعاء "الإيمان بعدالة قضيتنا، وبالمقاومة وبالطبع في المقام الأول بالله مصدر قوه لي".
" السجن مدرسة"
" طبعا، السجن مدرسة، عندما أتذكر أنا وزوجي تجربة الأسر، أقول بالرغم أنه يأخذ أشياء أثمنها "العمر"، إلا أنه يضيف لنا". تقول الجيوسي عن تجربتها. ثم تُفَصّل ما أكسبتها التجربة " في الأسر يتم صقل الشخصية، تتم معرفة الذات والتصالح معها.
أدهشني من حديثها، كيف يمكن للمرء أن يقضي 10 أعوام داخل غرفة مكونة من أربعة جدران معزولة عن العالم الخارجي!، هل لا مفر من قتله للوقت، حتى لا يقضى عليه؟! سألتها باستغراب، جاءني الرد سريعا " لا، في داخل الأسر نعيش حياة التنظيمات، اليوم مقسم، المهام معروفة"، تتابع بشغف "من الساعة 4-5 يوميا هذه ساعة القراءة الإجبارية بما يتوفر من كتب في كافة المجالات، الجلسات التثقيفية والمعرفية والدعم والمؤازرة تطال أيضا الزهرات اللواتي هن أقل من 16 عام " الإضراب عن الطعام أهم وسيلة مشروعة يلجأ لها الأسري لانتزاع حقوقهم، ومن خلاله وغيره من سبل النضال حصلت الجيوسي على مرادها باستئناف الدراسة.
بفخر تروي متابعتها لإضراب الشيخ خضر عدنان" آمنت بانتصار الشيخ على السجان، فهو يناضل من أجل قضيته العادلة، وهو بذلك يحفز العديد من الأسري لينتهجوا نهجه" بضحكة تحن لأيام خلت تعود لأيام رمضان في الأسر " هنالك بعض الأسيرات يفضلن النوم طوال اليوم في رمضان كما هو الحال خارج الأسر". تضيف "بعد الإفطار نتابع ما يسمح لنا من قنوات وهي فسحة بسيطة للترويح عن النفس"، وتؤكد على روح التعاون بين كافة الأسيرات في إعداد ما توفر من مكونات لإعداد الطعام للحصول على إفطار شهي بسيط. "
"عمار مكافأتي"
بعد تجربة الأسر المريرة، و الحكم عليها ب32 سنة و3 مؤبدات وقضاء 10 سنوات داخل الأسر، تبصر الجيوسي نور الحرية، ليكافئها الله بالزوج "عمار"، وأخيرا بفرحة العمر ومولودها القادم. ""عمار مكافأتي بعد تجربة الأسر لمدة 10 أعوام"، باحترام وحب تصف الجيوسيى الزوج عمار.
خرجت دعاء من الأسر لمدينتها الأصلية "طولكرم " ، لتقر عين والديها وأخيها الوحيد، وتشاء الأقدار أن ترتبط بالزوج عمار من شطر الوطن الآخر غزة وتبدأ محاولات الوصول إليه. "سنسمح لك بالذهاب لغزة لكن بلا عودة إلا بعد 8 سنوات " هذا هو حكم المحكمة العليا للوصول لعمار تقول الجيوسي. وتؤكد الجيوسي أنها لا تثق لأنه لا عهود ولا مواثيق له، لكن الأمل يرافقها بحضور الأهل لغزة. ورغم قيود الاحتلال تشير الجيوسي أن التكنولوجيا وتطبيقاتها سهلت مهمة التواصل لحظة بلحظة مع الأهل. تختم الجيوسي بدعوتها لضرورة تدريس كفاح وحياة المناضلات الفلسطينيات للأجيال للقادمة، كي يبقي كفاحهن نبراسا ينير وعي الأجيال القادمة.
