"حكاية أسر منغيستو"..وكأنها فيلم "هندي"!
تاريخ النشر : 2015-07-11 15:12

كتب - حسن عصفور:

لو تقدم شخص ما من المخرج الفلسطيني الرائع، رشيد مشهراوي، بما نشره الاعلام العبري عن "حكاية أسر منيغستو" اليهودي الاثيوبي، ومنح مهلة للرد عدة أيام، لن يحتاج وقتا طويلا ليعيدها الى مقدمها، معتبرا إياها "قصة خيالية"، وقد يرى أنها ليست سوى طريقة للنيل من قدرته على التمييز بين عمل وعمل..

"حكاية أسر منيغستو"، كما نشرها الإعلام العبري تستحق فعلا، أن تدفع القارئ لها بالتوقف والتمهل قبل إصدار أي حكم عليها، حيث تقول الرواية العبرية، أن ابراهام منيغستو اليهودي الاثيوبي، غادر مكان سكنه في مدينة عسقلان، ووصل الى حدود قطاع غزة، واصطدم بدورية للجيش الاسرائيلي، وعندما اقترب من السلك الشائك حاولت القوة العسكرية أن تمنعه عن فعلته "السوداء"، ولكنه "غافلهم" وقفز من فوق السلك والجنود يصرخون: "عد يا منيغستو"..إرجع يا "ابراهام"، لكن ابراهام نجح في "قفزته" ليضع قدميه فوق أرض غزة "جنة الله على الأرض"، تاركا جنود الجيش في "حيرة من أمرهم"..ومشي الشاب الى أن وجد مجموعة من الصيادين وبعده اختفى "المسكين"..

تلك هي ملخص عناصر الرواية العبرية لما حدث قبل عام تقريبا من الآن، ولم تعلن  اسرائيل عن "إختفاء مواطن من مواطنيها"..وفجأة، بعد مرور الأشهر الطويلة، جاء الاعلان الاسرائيلي عن فقدانهم ابراهام منيسغتو، وأنه الآن يقع "أسيرا" في قبضة حماس، وهناك أسير آخر، ايضا ذهب الى غزة، دون أن تخبرنا الوسائل العبرية كيفية وصول الثاني الى غزة، وأسره ليلحق بزميله الاسرائيلي..

الاثارة في"حكاية منيسغتو" عالية جدا، فمن حيث المبدأ، كيف يمكن لشاب يهودي أن يهرب من اسرائيل الى قطاع غزة، وسط حصارها ومصائبها الإنسانية، ولو أراد البحث عن "هجرة غير شرعية" مثلا، بالتأكيد سيختار أي بلد مجاور أكثر طمأنينية وراحة ومجال عمل وأكل شهد عسل من غزة، التي لا ترى من الحياة الإنسانية الا بمقدار ما يمنح لها، من "عطايا وتسهيلات"..

يمكن للبعض، أن يرى فيما حدث هروبا لليهودي الإثيوبي من "جحيم دولته" العنصرية، خاصة بعد ما رأى وشاهد بأم عينية ما حدث لأبناء جلدته من "يهود الفلاشا" خلال المظاهرات التي شهدتها تل أبيب ومناطق أخرى، فإختار طوعا الذهاب  الى "جنة غزة"، ربما يكون ذلك سببا، خاصة إن لم يكن يستمع لأخبار أو اعلام يتحدث عما يعيشه القطاع، وقد يكون أحدهم "خدع بجنته"..

ولكن بداية الحكاية تحفز العقل للتفكير، كيف أن الشاب اليهودي قفز تحت سمع وبصر مجموعة عسكرية من جيس الاحتلال، وحاولوا منعه بـ"الحسنى"، لكنه صمم على "الهروب"، وقفز أمامهم من فوق الجدار - السلك الشائك ومشي وهم يصروخون، دون أن يطلقوا رصاصة واحدة، أو تدخل خلفه المجموعة بآلية مصفحة، كما تفعل يوميا في داخل القطاع..وكأن الذي هرب ليس يهوديا..

ثم تثيرك "الحكاية"، بأن دولة الكيان لم تعلن خبر الاختفاء طوال أشهر عدة، وفجأة، وبعد خطاب لخالد مشعل في العاصمة القطرية خلال افطار لبعض صحبه،  أعلن عن وجود اسرى اسرائيليين لدى حماس، - بالمناسبة مشعل ممنوع من الكلام والنشاط في الدوحة الا بحساب ميزان " قطري حساس جدا" -.، وبعدها تتبرع دولة الكيان بالإفصاح عن وجود أسرى أحياء وجثث لقتلى من جيشها بطرف حماس بغزة..

وهنا، تبدأ الاسئلة سواء مشروعة أم محرمة، لما صمتت اسرائيل عن الاعلان خلال تلك الفترة الزمنية، وهل حقا يمكن ليهودي أن يقفز أمام سمع وبصر الجيش الاسرائيلي دون تحريك ساكن، سوى "صرخات هلعة" تطالبه بالعودة..

وهل يمكن اعتبار ما حدث "حكاية أسر" تفرض على دولة الكيان أن تدفع مقابلها الكثير لـ"تحرير الهارب" من تحت بصر جيشها..

قد يكون كل ما حدث "عطية من الله" لحركة حماس، كي تزيد من تحسين "اوراقها" التفاوضية مع الكيان.. ولكن لما جاء التوقيت في زمن الحديث عن "صفقة قادمة" بين اسرائيل وحماس حول ما تسميه قيادات حمساوية بتثبيت وقف اطلاق النار مقابل كمية هائلة من "الامتيازات والتسهيلات"، تصل الى درجة الجائزة الكبرى، تحت هلع الكيان من نتائج انهيار "اتفاق وقف اطلاق النار"، وتحديدا بعد الكشف عن النوع المستحدث - المتطور جدا من "صاروخي العطار وأبوشمالة" التي أعلنت عن إنتاجها كتائب القسام العسكرية..

نقطة ثانوية جدا، بل وربما هامشية ايضا، ان الإعلان عن الأسرى الأحياء والموتى تتزامن مع صعود مكانة حماس سياسيا، وبحث الكيان عن "تسوية معها" بأي شكل ممكن، فيما تعاقب دولة الكيان الرئيس محمود عباس وفريقه عقابا عسيرا، وصلت الى اعتبارها أنها، مع أمريكا، قررت التخلص من "حقبة أبو مازن"، كما قال "الخليفة الجديد" للرئيس عباس..

هل يمكن ربط هذا بذاك، أم انها صدف لا أكثر، وهل تكون "صدف السياسة" عفوية أم مدروسة..

الخبرة تقول أن الصدف السياسية في دولة الكيان قد تكون معدومة جدا، ولكن "صدف اسرائيل" ليست سوى حسابات دقيقة جدا لصناعة ما ترمي من ورائها الكثير الكثير..

وعودة الى المخرج رشيد مشهراوي، هل يرى بهذه "الحكاية" نصا واقعيا، أم  انه بعض من خيال مستوحى من "فيلم هندي قديم"..والله أعلم!

ملاحظة: أعاد رئيس حركة حماس في قطاع غزة اسماعيل هنية مقولته السابقة أن "لا حرب جديدة" على غزة، بصياغة جديدة، ان حماس لن تشن حربا جديدة..أليس مثيرا لما استخدام هذه اللغة السلسة جدا على حماس..أهي صدفة ايضا..ما اكثر الصدف بين اسرائيل وحماس هذه الأيام!

تنويه خاص: بعض من قادة حماس أعلنوا أن لا ثمن سياسي للصفقة مع الكيان..ممكن فعلا باعتبار حكومة نتنياهو باتت "فاعل خير" أو قررت تقديم "زكاة" للتكفير عن شرورها..اللهم ثبت العقل والدين في أواخر الشهر الكريم!