كتب - جهاد حرب :
لم تُثر نسب التأييد التي حاز عليها تنظيم "داعش" في استطلاع الرأي العام في العالم العربي أي رد فعل في اساط النخب العربية السياسية والثقافية، بل لم تجرِ نقاشا جديا لهذا التأييد حسب استطلاعات الرأي. قد يكون يعود هذا الامر لعدم ثقة فئة واسعة من النخب باستطلاعات الرأي وصدقية نتائجها، وقد يحاجج البعض أن استطلاعات الرأي موجهة أو منحازة لهذه الجهة أو تلك. لكن لا يستطيع أحد انكار أن استطلاعات الرأي أداة علمية ضرورية لسبر الآراء، وكذلك لا يستطيع أحد انكار أهميتها في معرفة توجهات ومواقف المواطنين التي تفيد في رسم السياسات في البلاد.
هذا المقال غير مخصص لنقاش أهمية استطلاعات الرأي أو الدفاع عنها. كما لا يدعي أنه يقدم قراءة معمقة لنسب التأييد التي حازت عليه "داعش" لدى الجمهور الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة. كما ان هذا المقال لا يسعى لبث الخوف بقدر التنويه بمخاطر عدم النظر بعمق لظاهرة "داعش" بين ظهرانينا.
تشير استطلاعات الرأي العام التي أجراها المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في العام الاخير أن أغلبية المواطنين الفلسطينيين ترى أن الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) مجموعة متطرفة لا تمثل الإسلام الصحيح (ثلاثة ارباع الجمهور في كانون أول الماضي و 84% في حزيران 2015)، فيما تعتقد نسبة (12% في كانون أول و10% في حزيران) أنها تمثل الإسلام الصحيح. أوضح الاستطلاعان ان نسبة التأييد في قطاع غزة ضعف التأييد في الضفة الغربية؛ ففي قطاع غزة تقول نسبة من 19% و14% مقابل 8% في الضفة ) أن داعش تمثل الإسلام الصحيح. كما يظهر استطلاع الرأي أن ثلثي الذين يعتقدون أن داعش تمثل الإسلام الصحيح يرون أنه ينبغي قيام حركة إسلامية تابعة لها في فلسطين.
عمليا يحظى هذا التنظيم بأعلى ثالث تأييد بعد حركتي فتح وحماس، ويفوق التأييد الذي يحصل عليه بين المواطنين تأييد الفصائل اليسارية التاريخية والوطنية الحديثة مجتمعة (الجبهة الشعبية، والجبهة الديمقراطية، وحزب الشعب، والمبادرة الوطنية، والطريق الثالث).
أجزم أن الخطورة لا تكمن في وجود تنظيم له في البلاد أم لا، وهنا يمكن النقاش حول قدرة هذه المجموعة على التنظيم. لكن الخطورة تكمن في اعتقاد الناس أنه يمثل الاسلام الصحيح. فالتحول الذي يقود هذه الافكار داخل المجتمع لا تثير الخوف فقط بل تثير الرعب من تحول المجتمع الفلسطيني القائم على التعدد الديني والطائفي والسياسي، وعلى الاختلاف بين افراد الاسرة الواحدة الى فكر فاشي لا يؤمن بالاختلاف والتعدد بل ان رؤيته للمجتمع في خلاف بيّن مع طبيعة الكون وسنن الحياة. ناهيك عن الطبيعة العنيفة التي يؤمن بها في عملية التغيير وإقامة الحكم لديه.
هذا التحول يتطلب النظر فيه بشمولية اكبر ليس فقط في المواجهة الامنية أو اطلاق تصريحات اعلانية بل في تطوير ادوات وطنية للحفاظ على المجتمع الفلسطيني بتنوعه وتعدده، وتوفير الحصانة والمنعة من اختراقه أو العبث بمكوناته. الامر الذي ينبغي تطوير ادوات المواجهة الفكرية بوقوف جميع التيارات الفكرية متحدة، من رجال دين وعلمانيين على مختلف مشاربهم، في المواجهة الفكرية. وتطوير مناهج التعليم وأدوات تربوية في المدارس تبدأ بالمدرسين قبل الطلاب، واستخدام أمثل لوسائل الاعلام في المواجهة الفكرية، وتقنين استخدام المساجد، وتطوير آليات تشاركية في إدارة الحكم من خلال الانتخابات العامة.
