خزاعة... الركام على حاله، وتنتظر الإعمار
تاريخ النشر : 2015-07-08 00:00

غزة- خاص نوى-ميرفت أبو جامع

تسند الحاجة خضرة النجار ظهرها إلى عمود من بقايا بيوت تهدمت، على حافة شارع كان ينبض بحركة سكانه، حتى وقت قريب تعافى من الردم، وبقيت البيوت المهدّمة على جانبيه على حالها، منذ توقف عدوان 2014على غزة. 

عندما سألنا الحاجة خضرة عن حالها في الذكرى الأولى للعدوان 2014، ردت السؤال، بسؤال موجع: وشو حالي بلا دار؟

اقتربنا منها أكثر، وهي تجلس تحت ظل شجرة، تستظل بها من طقس هذا اليوم الحار جدًا،  وحولها ابنها الأربعيني رياض النجار وحفيدتها.

تقول الحاجة خضرة" شو بدي أتذكر لأتذكر يا بنتي عن (الحرب) عشت كل الحروب ما شفت أقوى من هالحرب( 2014)"، ثم تعد على أصابعها المتخشبة من وجع السنين: حرب 48، وحرب67، وحرب 2008، وحرب 2012، وهاي الأخيرة، ترفع يديها المتعرقتين للسماء" ويارب تكون الأخيرة".

تضيف خضرة في عقدها الثامن، "ما بنسى وقت ركضت زي طفلة صغيرة بالشارع، وهربنا وقت رموا علينا غاز، كنت بدي اختنق، زي هالايام لملمنا حالنا وطلبوا منا نخلي المنطقة وطلعنا وتركنا بيوتنا، تشردنا بالمدارس، وفي بيوت الإيجار، بس وقت رجعنا وما لقينا بيوتنا، صرت ابكي، من يومها ما بشوف بعيوني، وما بشوف في المنطقة إلا الركام والدمار وبأتحسر!".

بصوت حزين تواصل "اتفرقنا يما كانوا أولادي( 4) وبناتي (3)، ساكنين حوليا نعمل إفطار جماعي للعيلة حوالين الدار ونجتمع في رمضان، الحين كل واحد بمكان حتى لو بدي زورهم ما بأعرف وين مستأجرين".

كل يوم صباحا وحتى المساء تجلس الحاجة مقابل منزلها المهدّم ومنزل ابنها( الكرفان)، وتستذكر بيوتهم، والحياة التي كانت تشغلها تربية الدجاج وري الأشجار في حوش المنزل.

يقول رياض احد أبنائها، والوحيد الذي يسكن بجوارها:" أمي ما بتتحمل تعيش بكرفان، استاجربنا إلها غرفة وحمام صغير في بيت بعيد عنا، بقولها تعب عليكي خليكي بالبيت، مو قادرة تفارق المكان، كل يوم بتيجي تجلس مقابله".

تقول الحاجة خضرة" كل يوم باتذكر البيت، وكيف كانت الحديقة قدامه وصوت أولاد ابني بيلعبوا اليوم ما بشوفهم، حتى جاراتي، معظم الوقت أجلسه وحدي".

يشار إلى ان الاحتلال الإسرائيلي دمر في بلدة خزاعة نحو ما يزيد عن (600 منزل) تدميرًا كليًا، ونحو (1200 منزل) جزئي، ونصفه غير صالح للسكن خلال عدوانه على غزة.

من خلف ستارة عبارة عن قطعة قماش ونايلون، أمامه أحبال غسيل،  فيما يشبه بمخيمات اللاجئين تخرج رندة النجار، امرأة في الأربعينات من عمرها، تتسأل:" وقتيش الاعمار، إلنا سنة بنستنى على نار، اشتقت لبيتي لكل ايشي فيه، أنا ما طلعي كرفان أعطاني الصليب خيمة من البلاستيك لمينا حجار وبلاط من بيتنا المهدم، وعملنا مكان نعيش فيه على أمل يعمروا إلنا لبيت من جديد. رحنا المدارس وتعذبنا واتاجرنا بيوت ما قدرنا ندفع الإيجار تركنا كل شيء وقمت في خيمة شهور على أنقاض بيتي، حتى عملت هذا الكرفان".

في وسط الكرفان مروحة صغيرة، بالكاد تدخل الهواء حيث لا شبابيك، وتلفزيون بصور مشوشة، وبلاط من بقايا البيوت المهدمة، ويقسم الكرفان إلى مربعات بمساحات صغيرة، تفصلها عن بعضها قطع قماش، تقول هذا المطبخ وهذه لفصل البنات عن الأولاد وهذه للنوم.

تضيف:" وقت أتذكر بيتي بانقهر، مساحته 300 متر والآن أعيش واسرتي في 10 أمتار، بيتي بنيته جديد وهاي تأني مرة بتهدم في حرب 2008 أتهدم وسكنته بس قبل 7 شهور من الحرب، ما لحقت أفرح فيه، وشقة ابني كنت ناوية اخطب له بس تدمر البيت ما في اعمل شيء. كل يوم بتابع الأخبار على أمل يبدؤوا بالإعمار.

" والله خبر اعادة الإعمار بنستناه اكثر من العيد، بدنا نرتاح عندي بنات في الجامعة وشباب الهم متطلبات خاصة، مش قادرة أعمل الهم شيء، فقط بقلهم اصبروا على أمل يحسوا فينا ويرجعولنا بيوتنا".  

البحث عن الظل بعيدًا عن حر الكرفان غاية فضة النجار وجاراتها في الكرفانات المجاورة، فقدت فضة بيتها في الحرب وابنها عماد 22 عاما استشهد في العدوان، تقول بالنهار ما بقدر اقعد في الكرفان، باهرب منه للظل في خارجه، ولنسمات هواء ، احنا هون مجبورين على الحياة فيه، الحياة لا تطاق فيه لا في شتاء ولا صيف، بالصيف بيكون فقاسة دجاج، وبالشتاء ثلاجة موتى.

في الوقفة التضامنية التي نظمتها جمعية بيت المستقبل التي تعمل في خزاعة رفع الأطفال شعارات " اللهم أخرجني من الكرفانة كما أخرجت يونس من بطن الحوت...." وأنقذوا خزاعة من كرفانات الموت". ونظمت الوقفة على أنقاض البيوت مقابل حي الكرفان. على مدخل خزاعة،

تقول صباح القرا مديرة جمعية بيت المستقبل أن الذكرى الأولى للعدوان تمر، ولا يزال الدمار والخراب يعم خزاعة، ولا شيء يتغير على الأرض، مشيرة أن معاناة النساء والأطفال مستمرة، وأن عدد كبير من العائلات تشردت وتشتت وتأزمت حياتها الاجتماعية، دون أن يلتفت لهم احد، وتضيف:" عملية إعادة الإعمار مجرد خطط على الورق، مطالبة بضرورة تفعيل كافة الجهود لإعادة الاعمار، وخاصة الجهود الدولية ووكالة الغوث الأنروا".