في الحرب... بعيداً عن الحرب!
تاريخ النشر : 2015-07-07 16:54

كتب – خالد جمعة :

مُت يا حبيبي حتى تنتهي الحرب

مُت حتى يمرّ العيد وقهوته المرة

مُت قليلاً وسأحرس موتك واقفةً

وحين تمرّ الحرب كذكرى قديمة

سأخرجك من مخبئك الدامي

وأنفض عنك ذاكرة الموت القصيرة

ومعاً

نتناول قهوتنا على الشرفة المتداعية

 تنكرُ الحربُ فكرة الإنسان

ففي الحرب، ذلك الاسم المؤدّبُ للقتل، يصيرُ البحرُ أكثر زرقةً لكننا لا نراه، وتنمو الورداتُ أسرع، لكننا لا ننتبه، ويفهم الأولاد أكثر مما تتيحه أعمارهم، لكننا لا نلاحظ، وكل ما كان ممتعاً يصير في خانة الملل، وكل ما كنا نشتهيه، نجده بمذاق حجارةٍ متفتتة، في الحربِ تنزل السماء مترين كلَّ يوم...

في الحرب، تسقطُ ملائكيةُ الأشياء، تتبدل المعتقدات، نفقدُ إيماناً، ونتبنى آخر، ثم نفقده بعد دقائق، يقتلنا الأطفال الذين وثقوا بنا، تقتلنا القطط التي سلمت نفسها لأمزجتنا، نتمنى ألا يثق بنا أحد، ألا يطلب أحد حمايتنا، لأننا نعرف أن كل شي قابل للهدم، في الحرب نتحول إلى هلوساتٍ مكتومة، إلى دمعات مكتومة، في الحرب نتحول إلى كائنات من زجاج...

          في الحرب، يقترب الأصدقاء البعيدون، ونصبح أكثر قدرة على المسامحة، نراقب القطط وهي تتصرف بعصبية فنعرف أن الطائرة قادمة، في الحرب، يتحول الطيار الإسرائيلي إلى وجه الدولة الحقيقي، في الحرب، ننتبه إلى تفاصيل لم نكن نعرف بوجودها، مكان الثلاجة غير المناسب، موقع الحمام من شباك يقابل دبابة، عدد البنايات بيننا وبين موقع أمني، في الحرب، نحسب الوقت الذي يلزمنا لإخلاء البناية، في الحرب، يصير بائع السجائر صديقنا الأقرب، في الحرب، نشكر البشرية على اختراع الإنترنت، في الحرب، نصبح أكثر مهارةً في رسم الخرائط، في الحرب، نكتشف أننا لم نكن أقوياء كما كنا نتوهم...

          في الحرب، تنام الأمنيات، تصغر الرغبات، ويصغر معها العالم، أريدً مكاناً آمناً، أريدُ أن أبقى على قيد الحياة، ليس مهماً أن يكون الماء متوفراً للاستحمام، أريد أن أروي عطشي، أنا محظوظ لأن عشر عائلات فقط معي في الغرفة، لم أعد أعرف اتجاه القبلة كي أصلي، ليس مهماً يا أمي، فأينما وليت وجهك فثم وجه الله، يداي في حربٍ مع الألم، هل من الضروري أن أرفعهما للدعاء؟ لا يا أمي فالله يرى الدعاء من القلب لا من اليدين، وهل أكون كافرةً إذا قلت أني أخاف من الموت؟ لا يا أمي فالخوف من الموت أمر تشعر به كل المخلوقات، حتى القطط والفئران، إذن دعيني أقول لك يا ابنتي ولا تخبري أخوتك الصغار، أقصد أولئك الذين بقوا على قيد الحياة: أنا خائفة من الموت، ولكن إذا كان لا بد من قضاء الله، فأنا خائفة أكثر من الموت متناثرة، حسناً يا أمي، ولا تخبري أبي بذلك: أنا مثلك تماماً...