غزة-نوى-شيماء مقداد:
عامٌ مضى دون أن ينسى المواطنون في قطاع غزة لحظة واحدة من لحظات العدوان الإسرائيلي في يوليو/تموز 2014م، مشاهد مؤلمة عاشوها تكررها الذاكرة، في كل بيت حكاية بطعم بالموتِ والدم، آلاف الشهداء ارتقوا وعشرات الآلاف جرحوا، وما زالت أحياء بأكملها تنتظر إعادة الإعمار.
لاجئة في الشتات والوطن
من هجرة إلي أخرى، و الموت يلحق بها أينما حلت، هي ضيفة على الحياة، تجر ذيول الألم خلفها، وأربعة من الأبناء يتمسكون بها، الآن وبعد مرور عام على العدوان الإسرائيلي على غزة, ما زالت تحاول ألا تضعف أمام أسئلة أبنائها التي يحملون إجاباتها داخلهم.
تقول أم أحمد عبد الله فلسطينية الأصل تحمل وثيقة سفر سورية، عادت إلي غزة بعد أن اشتعلت شرارة الحرب الأهلية في سورية عام 2011:"أصعب شيء في غزة ألا تجد استقرار ويلحق بك الدمار في كل لحظة، عزائي أن عدوي هو ليس من ديني ولا وطني، لو مات أحدنا سيكون شهيداً، ولكن الأصعب عليّ أن أبنائي أيام العدوان لاموني أننا جئنا هنا، قالوا ما دمنا سنموت لم لا نموت مع جدي وجدتي، لم نموت وحدنا هنا".
تسترجع أم أحمد ذكريات الحرب المُرة وتقول:"كان القصف يدوي في كل غزة، والناس تحتمي ببيوتها، لكن أنا كنت أنزل للشارع وأمارس عملي كممرضة في مراكز الإيواء، رأيت الكثير من القصص التي لا تنسى حتى لو مرت عشرين سنة، أتمنى أن تنتهي الحرب الأهلية بسوريا وأن تبقى غزة بلا عدوان آخر".
مصحف وثوب صلاة
مروى حمزة، 22 عام أم لطفل، كانت ممن عاشوا الهلع والرعب طول فترة العدوان الاسرائيلي، لم تتوقع أن يبقى أحد من سكان منطقتها حي الشعف شرقي مدينة غزة البقاء على قيد الحياة.
تقول:"اليوم وبعد عام من العدوان بحمد لله ما زلنا على قيد الحياة، رغم أننا فقدنا في مجزرة الشجاعية الكثير من الأعزاء من جيران ومعارف خاصة في شارع النزاز والمنصورة، والأصعب أننا عشناها في شهر رمضان ونحن صائمون".
وعن ذكرياتها في فترة العدوان تقول مروى:"لم أترك المصحف من يدي ولا أخلع ثوب الصلاة، كنت أتوقع الموت في كل لحظة، لم أخشَ الموت ولكن خشيت أن أعيش مبتورة الأطراف مثل الكثير ممن أصيبوا في العدوان أو أن يصاب طفلي ابن الثمانية أشهر بأذى".
أما الصحافيةإسلام البرار والتي وَأَدَ الاحتلال الإسرائيلي حلمها في مهده، بعد أن قام بنسف برج الباشا وسط مدينة غزة، حيث كانت تتواجد به الإذاعة التي أفنت عمرها و مالها وجهدها لإنشائها، لتكون الإذاعة الأولى والوحيدة الناطقة باسم وفكر وثقافة النساء في غزة، بدعم وجهد داخلي فقط.
كانت الإذاعة بالنسبة لإسلام طفلتها التي لم تنجبها وقتلت على يد الاحتلال، لكنها تؤمن بشدة أن الأحلام لا ولن تموت، اعتنت بها عناية أم بطفلها، تمشط شعرها، وتنثر العطر على ملابسها كلّ صباح، تقول إسلام:"قلت قبل عام وما زلت أقول أن على الفتيات أن يثابرن لتحقيق أحلامهن، ولا يسمحن لأي شيء بقتل الطموح فيهن، وإذا كان مجتمعي الذكوري لم يقوى على منعي من تحقيق حلمي، فلن يستطع جيش الاحتلال قتله، فما فعله هو دافع قوي جعلني أبدأ من جديد، ومع الوقت سترون ولادة حلمي وأقوى من ذي قبل".
لوحات من دخان
لم يكن العدوان الإسرائيلي على غزة بالنسبة للفنانة التشكيلية منال أبو صفر من مدينة دير البلح فرصة للانتشار بل كانت فرصة للمقاومة من خلال الفن، لإيصال رسائل الصمود من خلال صور ولوحات فنية معبرة و جديدة، فصورت من دخان القصف علامة للنصر، وصورٍ لنساء تحمل علم فلسطين وتتحدى الموت بعزيمة وإصرار، تلك الصور التي تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي بعدها وطور البعض العمل عليها، تقول منال و ابتسامة الفخر ترتسم على وجهها:"أنا سعيدة جداً لأنني كنت صاحبة فكرة الرسم على الدخان والتي انتشرت بشكل كبير جداً على الإنترنت فترة الحرب على غزة, بل وشكلت مدرسة فنية جديدة قام الصحفيين والفنانين بإتباعها وتطوير العمل عليها".
منال حتى الآن تقوم بعمل العديد من المعارض و تصر على الاجتهاد في عملها أكثر لإرسال للعالم رسالة انسانية بلغة الفن، من خلال لوحات تحكي أن في غزة تولد الحياة لا الموت.
الجدير بالذكر أن هناك الكثير من النساء لازالت تعاني آثار العدوان الاسرائيلي على غزة، ولازالت كل امرأة تحاول لملمة جراحها, ولازال قطاع غزة المكلوم ينتظر إعادة إعماره نفسياً واقتصادياً وسياسياً.
