حوار - محمود الغيطاني :
منذ ثلاثة عقود يعيش صاحب «مديح الهرب» الروائي السوري خليل النعيمي في فرنسا٫ طبيب جراح دارس للفلسفة، وجوال كبير في البلدان، حيث طاف العالم كلّه تقريباً، فكتب في أدب الرحلة: «مخيّلة الأمكنة»، و«كتاب الهند»، وله العديد من الروايات التي تختلف عن المُنتج الروائي السوري، والعربي بشكل عام. تكتّظ كتاباته بالأيديولوجية الماركسية، كما كانت له تجارب روائية تختلف عما هو معهود في الرواية العربية مثل روايته «الشيء»، وله في الكتابة المسرحية «الرجل الذي يأكل نفسه»، «التفريغ الكائن» و«دمشق 77».
في هذا الحوار لـ «الدوحة» سألناه عن راهن الثورة السورية، وعن الأدب والثورة في تجربته الروائية.
قلت من قبل، إن من لا يسافر سيصاب بالعمى؛ لأنه لا يرى إلا نفسه، وكأن الحياة لديه تتحوّل إلى مجرَّد مرايا، كما قلت إنك لا تفهم جدوى التشبُّث بالأمكنة. هل هذه الرؤية نبعت من كونك ابن البادية المُرتحل دائماً، أم هو يقين تكوّنَ لديك بعدما تركت سوريا؟
- هو شعور تكوَّنَ لديّ بعدما تركت سوريا، لكن هذا الشعور له علاقة بخلفية ذات بُعد سياسي في الأساس، فنحن، في العالم العربي، نكاد نكون مجبولين على حبّ الأمكنة التي نُقيم فيها، وهذا الحبّ غالباً ما يحول بيننا وبين فكر نقدي كان علينا أن نتمتع به. وفي تصوّري إن أهمّ نقد هو النقد الذي نوجِّهه إلى الأقربين منا أولاً، بعد أن نكون قد وجّهناه إلى أنفسنا، ثم إلى المجتمع الذي نعيش فيه، وإلى العالم. الرحيل بهذا المعنى ليس سفراً تجارياً، وليس مشروعاً انتقالياً من مكان إلى مكان آخر، فنحن لا ننفر من الأمكنة، بل من الفكر الذي يتحكّم فيها، نحن -أيضاً- لا نستبدل مكاناً بمكان آخر، بل فكراً بفكر آخر، بمعنى أن السفر لدي هو موضوعة تتخلّل مشروعي الإنساني بالكامل، ابتداءً من الحب، وانتهاءً بالاستياء، إضافة إلى ذلك فالسلطة تحاول أن تجعلنا لا نفتح أعيننا على عالم غير عالمنا؛ حتى لا نرى عيوب عالمنا، ولا حتى مزاياه، وأنا أتصوَّر، بعد أن طفت الكرة الأرضية كلها تقريباً، أن الرحيل غالباً ما يكون في صالح المكان الذي نشأنا فيه؛ لأنه يُعيد إلينا الثقة بعاطفتنا الأولى عن هذا المكان. إذاً، كلامي يندرج - لو أحببت- تحت هذا السياق السياسي، أو المعرفي، أو الأخلاقي، ومن ثمَّ التعليمي؛ لأننا لا يمكن أن نتعلّم ونحن نسكن المكان نفسه، بل نتعلم بالانتقال، والكائن -أصلاً- لا يتعلَّم في مرحلة الطفولة فقط، إذ هو ينتقل من مرحلة الطفولة، إلى مرحلة الشباب، إلى مرحلة الكهولة، إلى الشيخوخة، وهذا أيضاً من وجهة نظري سفر، سفر في الزمان، ويعادل -أحياناً- السفر في أمكنة مختلفة.
صرّحت بقولك: «للأسف، كثرت في الآونة الأخيرة، في صحف عربية رصينة، الدعوة إلى إنجاز أدب ثوري يربط الأدب بالثورة، وهذه طفولة أدبية لن يستجيب لها أحد»، في حين أنك انحزت للثورة السورية منذ بدايتها.
- أنا منحاز بالفعل للثورة السورية، وغيرها من الثورات العربية، ولكن، للسورية بشكل عميق؛ لأنني سوري، ولأنني تركت سوريا منذ حوالي ثلاثة عقود لأسباب سياسية أيضاً، ولم أستطع الرجوع إلى سوريا حتى الآن، وأعرف قسوة النزوح القسري عن البلد الذي نحبّه ونتمنّى أن نعيش فيه، لكني أخشى، الآن، بعد كثرة الادّعاءات الثورية (وربما تكون هذه حتى حالتي) أن يبدأ الخلط بين من هو فعلاً مناصر للثورة ويريدها أن تتحقّق، وبين من هم في عجلة النظام القديم ويريدون، الآن، أن يتغيَّر العالم، ولكن كما هم يريدون. وحتى لا ندخل في مشكلة تأثيم من يحبّ أن ينتسب إلى الثورة أو وضع العوائق، أتصور أن كلّ كائن مسؤول عن ثورته الشخصية، وأتصوّر أن الثورة العامّة لا يمكن أن تحصل من دون ثورات شخصية. وفي العالم العربي نحن في حاجة -بالفعل- إلى ثورة عميقة، وأتمنّى أن تحدث ذات يوم، ولكننا لا ندري متى. أتصوّر أن ما يحدث اليوم ليس ثورات بالمعنى العميق، بل هي إرهاصات ثورية تنقلنا؛ لأن الثورة، حينما تتحقّق، سيكون لها بُعد آخر.
تُقيم في فرنسا منذ سنوات طويلة، ورغم ذلك فإنك ما زلت تعيش مشاكل الوطن السوري، ولا تكتب سوى عنه. ألم يؤثِّر طول إقامتك في فرنسا على عالمك الروائي؛ بحيث تجعلك تخرج من هذا العالم إلى عالم آخر أكثر سعة؟
- أتصوّر أنها أثَّرت كثيراً، وجعلتني أخرج من العالم الضيّق القديم إلى عالم أكثر سعة، لكنك لو تقرأ، الآن، الروايات التي تُكتب داخل سوريا، وموضوع هذه الروايات، والهوامش التي تدور فيها، ثم تقرأ رواياتي فسوف تكتشف أن هناك نقلة كبيرة، ليس بالمعنى القيمي؛ أي ليست بمعنى أني أفضل من الآخرين، لكنك ستكتشف من الجملة الأولى أنني أكتب من مكان آخر. وبالمناسبة، الكتابة المستمرّة عن الأمكنة التي نحبّ هو ليس استمراراً فيها؛ لأننا لم نعد نُقيم فيها، وهو ليس تقديساً لها؛ لأننا من السهل أن ننقدها، وهو ليس ردّ اعتبار لها أيضاً لأننا تركناها، بل هي مسألة أخرى، هذه المشكلة هي مشكلة القارئ، لكن من يقرأ -بالفعل- سيكتشف أنني أكتب من قارة أخرى، وحتى المواضيع التي أعالجها هي مواضيع أخرى، بمعنى أنها مُحرّرات لكي أتحدّث عن ذلك العالم، لكنها ليست وقائع ذلك العالم. وأنا أتصوّر أن الأدب، في عمقه، هو المحرِّض للكتابة عن وضع مختلف إذا كنا نريده أن يكون مختلفاً؛ إن الإشكال في «مئة عام من العزلة» لجابرييل جارسيا ماركيز هو ما يوحي به النصّ لا الوقائع.
كنت من المناصرين للثورة السورية في بداياتها، هل ما زلت على موقفك نفسه اليوم بعدما اجتاح تنظيم داعش سوريا؟
- بكل تأكيد؛ لأن الثورة لا علاقة لها بداعش، ولا علاقة لها حتى بالسلطة السياسية القائمة، سلطة الأسد، إلا من خلال إزاحة هذه السلطة عن المشهد السياسي الاجتماعي، داعش لا تمثِّل الثورة، ولا جبهة النصرة تمثِّلها، ولا الحركات الإسلامية. الثورة هي حركة الناس ضمن هذا الظرف الخطير، ومع الأسف الشديد إن هذه الحركة لم تُؤتِ، حتى الآن، ثمارها، وهذا شأن ثوري معروف في التاريخ، فالثورة لا تنجح دفعة واحدة، لأن الثورة هي ثورات متلاحقة، تماماً مثل الهزّة الأرضية التي تليها هزّات أخرى، قد تكون أخفّ، وقد تكون أفظع من الهزّة الكبيرة. في النهاية أنا مع الثورة طبعاً؛ لأن تعريفي للثورة لا يتضمّن وجود الحركات الإسلامية، ولا حركات أيّ دين، ولا الحركات المحافظة، مع احترامي لكل أنواع الحركات الإنسانية التي قد تُساهم في إنجاح الثورة.
هل ترى أن أيّاً من الثورات العربية التي اندلعت في المنطقة قد حقّقت شيئاً مما كانت تصبو إليه؟
- كلها حقّقت أشياء حتى لا نعتقد نحن أنها لم تنجح؛ لأن الثورة هي الزلزال، وعندما يحدث الزلزال لا تسأل ماذا خَلَّف فالخراب، الدمار، الانهيار، الإحباط، البؤس، القتلى والنزوح... كلّه ذلك فعل ثوري ولا يمكن أن نصنع الثورة بريشة النعام والقلم...
جميع الثورات العربية استطاعت تحقيق شيء ما، حتى تلك التي أدّت إلى عكس ما نتوقّع منها؛ لأن العكس، دائماً، هو الصحيح في التاريخ، ونحن من يعطي للتاريخ معنى، وما يحدث الآن، حتى مع ارتدادنا إلى الوراء، هو خطوة إلى الأمام. ظل الوضع الساسي في العالم العربي القديم قائماً على القمع، والسلطة العربية بقيت خارج نطاق التاريخ، وكان هذا الوضع سيتزلزل ذات يوم، وحدث أنه تزلزل الآن، لكننا لم نصل بعد إلى نقطة النهاية.
نلاحظ أن انتماءك الأيديولوجي للماركسية يظهر، بشكل لافت، في أعمالك الروائية. ألا ترى أن الأيديولوجية قد تُفسد الأدب؟
- بالتأكيد أرى ذلك، لكني أتصوَّر أن الأيديولوجية التي تقصدها، والتي أنا ضدّها أيضاً، هي عندما يكون الأدب «دوجما»، مثل أدب حنا مينا في سوريا مثلاً، ومثل الكثير من الأدباء الآخرين الذين هم منخرطون في العمل السياسي، وهم يمشون في قسم الواقعية الاشتراكية في العمل السياسي، لكني حينما كبرت ووعيت كانت الواقعية الاشتراكية تنهار، وكان هناك الفكر الوجودي، والفكر الماركسي المتحرِّر من الواقعية الاشتراكية. وبالمناسبة، الواقعية الاشتراكية ليست ماركسية، بل هي ستالينية؛ لأن ماركس والكتابات الماركسية للمختصّين هي ضدّ «دوجما»، أو الاعتقادات النهائية، ولكن هذه الاعتقادات النهائية التي أخذتها فيما بعد تخلّت عنها النخبة الأدبية، وأخذتها السلطة السياسية في العالم العربي، وبالخصوص في القسم الذي يدّعي التقدمية، مثل حزب البعث، ومثل الأحزاب الشيوعية اليسارية؛ لأن الدوجما هي تجهيز الجماهير للخضوع المُطلق. وفي العالم العربي كان هناك بعض الكتّاب الذين كانوا واقعيين اشتراكيين، لكن الأجيال اللاحقة تجاوزتهم سريعاً لأنها لم تصمد للعواطف الإنسانية، في حين أن السياسة هي سلوك وخضوع كان من الممكن أن يستمرّ، مثل حزب البعث العربي الاشتراكي الذي أخذ المنهج الستاليني وطبّقه رغم أنه يدّعي أنه حزب عربي واشتراكي، ومن ثمَّ فأنا أميِّز بين الاثنين، ولا يوجد لديّ خلط بينهما.
*عن مجلة الدوحة
