بقلم - خالد عياصرة :
لا شك ابدع النظام الأردني منذ بداية ما عرف بالربيع العربي في البقاء والاستقرار في خانة المنطقة الرمادية، اذ لا موقف له، ولا رأي، طبعا للامر علاقة بالموقع الاستراتيجي للدولة.
الا ان هذا الابداع ظهر بقوة مع تفجر الاوضاع في سوريا والعراق، لا نتيجة حرفية العقل الامني بل لان المنطقة لم تك من اولويات المنظمات الارهابية والتي اعتقدت انها تحصيل حاصل، كما ان المنطقة ومن يسيطر عليها خضع فعليا لارادة الدوائر الامنية خصوصا الاردنية، اذ تعتبر منفذاً هاماً لتوريد الأسلحة والمعدات القتالية والبشرية للمنظمات، لذا رآت نفسها مجبرة على مسايرة النظام الأردني انطلاقا من مصلحتها وضماناً لقنوات استمرايتها.
إلا أن شهر العسل المستقر أنتهى، بات العقل الأمني الأردني متوجساً، نتيجة تخبطه السابق وعدم وضوح رؤيته وقراراته، ولهذا علاقة بغياب الاستراتجية الحقيقية، واسقاط محاور كان من الممكن المناورة من خلالها.
فمرة نراه مع وحدة الأراضي السورية، ومرة مع تقسيمها، مرة مع دعم العشائر السنية، وأخرى مع تهدئة الأجواء، مرة مع تقديم المساعدات للمنظمات المعتدلة – وكأن هناك ثمة منظمات معتدلة واخرى غير معتدلة، مع ان جميعها تمارس القتل – ومرة مع التوسع والتمدد، وأخرى مع البقاء في اطار الحدود، ومرة مع انشاء منطقة حظر جوي بحجة انسانية، ومرة مع احترام الحدود.
هذا البقاء والاستقرار، لم يستمر طويلاً خصوصا مع الإعلان عن قيام داعش كقوة تعمل وتسيطر على الأرض، وذات قدرة على التوسع والبقاء، والتخطيط والتنفيذ بصورة أكبر وأكثر حرفية مما تقوم به دول المنطقة التي أخذتها الدهشة من دينماكية داعش وحركتها. لننظر إلى العمليات العسكرية الأخيرة في الجنوب السوري والتي وصلت نيرانها إلى داخل الحدود الأردنية – مدينة الرمثا – ما أسفر عن مقتل مواطن وجرح آخرين جراء سقوط بعض القذائف وسط المدينة، وكان الهدف منها توريط الأردن وجره وجيشه إلى الداخل السوري، هذه الخطوة جاءت بعد تسليم الملك عبد الله الثاني الراية الهاشمية للجيش الاردني، ومع زيارة القيادي تكيف الاتصالات بين النظام الاردني والقيادي الدرزي وليد جنبلاط لفتح ممر امن لمرور دروز سوريا الى الاردن، وبعد اعلان الملك عبد الله عن دعمه للعشائر السورية ورفض جزء منها لهذا الدعم.
قلنا إن بقاء الأردن في المنطقة الرمادية استمر إلى أن دخل على الخط داعش، مع العلم أن الشمال الأردني بقي امناً من فوضى الداخل السوري، نتيجة سيطرة تنظيم جبهة النظرة – القاعدة – على الجنوب السوري، وخضوعها لرغبات الدوائر الامنية الأردنية كما قالت في ذلك عدد من التقارير الدولية.
الا أن احتلال داعش لسجن تدمر وسيطرته على المنطقة القريبة من الحدود الأردنية والسعودية، غير خطة النظام – بل قلب عقل المنطقة برمتها - في عمان، إذ اعتبرت الخطوة تهديد حقيقي، خصوصاً، وأن حركة تنظيم داعش لم يتوقعها أحد، ولم يفكر بها أحد لذا كانت مفاجئة، ومرعبة لعقول المنطقة التي تخطط بمنتهى السذاجة !
وعليهأاقول – وبعض القول اثم – :إن داعش يفكر بإسلوب مختلف وسابق لتفكير العقل الاستراتيجي الأردني، بمعنى أن المكان الذي تعتبره الدوائر الأمنية الأردنية بمثابة خاصرة رخوة لابد من حمايته، يراه داعش غير ذي أهمية، لذا لن يقترب منه، كونه ينظر إلى المشهد بعين مختلفة، تعتمد مبدأ المفاجئة الغير متوقعة، فكما يفكر العقل الأمني الاستراتيجي، هناك بمقابل منه عقل يفكر ويخطط كذلك، عقل لا يؤمن بما تقولون، لنتخيل دهشة المسؤولين هنا: يا اللهي لم نكُ نتوقع أن يفعل داعش ذلك، علينا العمل من جديد، علينا التفكير والاجتماع من جديد، للوقوف بوجه، ولحوول دون تطبيق مخططاته. هنا ارى ان المسؤولين في داعش يستمتعون بتعاطي أفعال الضحك والمسخرة على دهشتكم وردات افعالكم التي تنم عن عجز أكيد لا ينتهي إلا برحيلكم، لإفساح المجال لنوعيات حقيقية تفكر وتخطط بإسلوب احترافي، واعتقد ان بلادي تزخر بالكثير منهم.
وعليه يحق لنا أن نسأل: يا ترى على امتداد منطقة الحدود الشمالية الشرقية الاردنية اين تقع هي نقاط الضعف التي قد يستغلها داعش، ما يعمل على احراج الدولة الأردنية، طبعا هنا لا اتحدث عن منطقتي درعا والسويداء السوريتين اللتان تتعب نفسها الدوائر الامنية والاستخبارية الأردنية في إيجاد الخطط لتبريدهما والابتعاد لحيلولة دون اشعال الشمال الاردني في حال سقطتا بيد داعش.
الغريب في ذلك أن المناوشات التي اشتعلت مؤاخراً في الجنوب السوري كانت ما بين داعش والمنظمات الأرهابية الأخرى، والتي لم يكن من بينها تنظيم جبهة النصرة، وكأن التنظيم تحلل أو تلاشى كما الجيش الحر سابقاً.
الخلاصة: نحتاج اليوم في الأردن لعقول أمنية حقيقية ، لا تتعامل مع المشهد “ بالتحزير “ أو كلاسيكية الصدفة، بل بالمنهج والخطة، عقول يرى تمتين الدولة يتأتى من تخطيط حقيقي يأخذ بعين الاعتبار كافة الخيارات ويدرسها، عقول تعي ما يحيط بالأردن من كوارث ومصائب، تسبق الآخرين بخطواتهم، وتتحرك بدينماكية حقيقية لا تنتظر تطبيق القرارات والخطط كردود أفعال بعدما تتعاظم المشاكل.
