بقلم - مليحة مسلماني :
إن الحديث عن العلاقة بين الفن والسياسة هو بحد ذاته مسألة إشكالية، كونها تُدخل الباحث والمهتم في شبكة من المفاهيم والتعقيدات والعناصر التي تحكم العلاقة بين المجاليْن، يزداد الأمر تعقيدًا إذا انتقلنا إلى مسألة الرسم على جدار الفصل العنصري الذي يقيمه الكيان الصهيوني على الأراضي الفلسطينية بهدف حصار الفلسطينيين سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا لدرجة أصبح فيها الفلسطيني وكأنه يتحرك داخل سجن كبير. وينقسم الجمهور الفلسطيني بمثقفيه وفنانيه ونشطائه فيما يتعلق بالرسم على جدار الفصل إلى جبهتيْن؛ فهناك جمهور يرى أن الرسم على الجدار فعلُ مقاومةٍ لوجوده، وجمهور آخر يرى أن الرسم والتلوين والكتابة والجرافيتي أفعالٌ "جمالية" بالدرجة الأولى، وأنه ليس على الفلسطينيين أن "يجمّلوا" جدران السجن الذي وُضِعوا بداخله، وأنه إذا كان هناك أي فعل يجب اتخاذه تجاه الجدار فهو فعل "الهدم".
وتتراوح آراء أخرى بين هذيْن الاتجاهين، وذلك، أي الاختلاف في الآراء، لا مشكلة فيه، غير أن مصطلحات مثل "جميل" و"جماليّ" تحيط بها إشكاليات عديدة من بينها تعريف "الجمالي"، فالجمال يبقى نسبيًا ذلك أن إطلاق صفة "جمالي" و"جميل" على شيء ما تخصع بالنسبة للعمل الفني لمقاييس مثل الزمان والمكان والوعي الجمعي والفردي والحالة موضوع العمل. على سبيل المثال هناك من يرى أن المقاومة بحد ذاتها، وبمختلف أشكالها، فعلٌ جماليّ.
مثال: "لقوس قزح شكلٌ جميل، وألوان قوس قزح جميلة"؛ قد يكون هناك شبه إجماع على صحة تلك الجملة، ولكن حينما يصبح قوس قزح مرتبطًا بقضية شائكة وإشكالية أيضًا، فهل يبقى جميلًا؟ وهل يبقى رسمه فعلًا جماليًا؟ لا يبحث هذا المقال عن إجابات، ولكن من المؤكد أن قوس قزح هنا قد وقع في إشكاليات جمالية وفكرية، طالما أنه تخلى عن طيفيّته، أي لا شيئيّته، وأصبح مرتبطًا بشيء، بقضية ما هي محل خلاف كبير، سواء كانت سياسية أو اجتماعية، أو فكرية.
أُثيرت مؤخرًا قضية الرسم على الجدار بعد أن قام الفنان الفلسطيني خالد جرار برسم ألوان قوس على الجزء من جدار الفصل العنصري المقام عند حاجز قلنديا العسكري بين مدينتيْ رام الله والقدس، هذا الفعل الفنّي "ولا نقول العمل الفني أو الجماليّ كونه محل خلاف لأسباب عدة معقدة"، أثار بين الفلسطينيين ردود أفعال تستنكر الرسم وأخرى تؤيده. ورغم أن الفنان قد وضع ألوانًا أخرى قاتمة مع ألوان قوس قزح يميل أحدها إلى الأسود، إلا أن ذلك لم يغير حقيقة من الأمر كثيرًا فيما يتعلق بتلقّي الوعي الجمعي للرسم وبما أثاره من نقاش، وبهدف التوضيح كتب الفنان على صفحته على فيس بوك: "ذهبت اليوم ورسمت ألوان قوس قزح حيث أن هذه الألوان شغلت العالم، فهي في نهاية المطاف تعبر عن الحرية، وهدفي أن أبعث بها رسالة لكل العالم الـذي مازال يحتفل بها، عن شعب مقهور يعيش تحت احتلال عسكري يتجسد في حاجز قلنديا وجدار الفصل العنصري وهما أكثر صورة واضحة عن ذلك، ولذلك فان هذا العمل يأتي في سياق سياسي بحت للفت نظر العالم المحتفل بالقضية والجدار والفصل العنصري والاحتلال، ونقطة!".
بما أن عملية الرسم قد تمت، فإن توضيح الفنان لهدفه من القيام بفعل رسم ألوان قوس قزح، يصبح بالنسبة للمتلقي، وبالنسبة لكاتبة هذا المقال، أمرًا غير ذي أهمية، لأنه قام بعمله وانتهى وتركه للجمهور المحلي بل وللعالمي، ليقرأ ويتذوق ويحلل ويتفاعل ضمن معطيات من بينها الوعي الجمعي والظرف الراهن. ولا تعتقد كاتبة هذا المقال أن الفنان قد سقط من حساباته احتمالُ النظرِ إلى رسمه على أنه فعلُ تأييدٍ واحتفاء بإقرار زواج "المثليين" أو "الشواذ" في أمريكا مؤخرًا، وأقول "مثلية" و"شذوذ" وأضعهما بين قوسين كونهما مصطلحان إشكاليان يخصان مسألة إشكالية، وهما كذلك طالما لا يوجد اتفاق على توصيف الحالة على أنها "مثلية" أو "شذوذ".
تزامن رسم قوس قزح على الجدار مع تلوين العديد من ذوي الحسابات الشخصية على الفيس بوك لصورهم بألوان قوس قزح احتفاءً بإقرار الزواج بين المثليين ــ الشواذ في أمريكا، وهيبالمناسبة سابقة لم نرَ لها مثيلًا، بمعنى أنه ورغم كل ما مرت به الإنسانية خلال العقد الماضي من كوارث ونكبات، لم يسبق وأن اقترحت إدارة فيس بوك تطبيقًا لتلوين أو دمج صورة البروفايل بشعار أو برمز يخص قضية عامة، والصورة هي عنوان الهوية الأولى للشخص صاحب حساب فيس بوك، ولم يسبق أن تدخّل فيس بوك في مظاهر عامة أو اقترح رموزًا تخص قضية عامة، ما يثير الأسئلة حول هذه الحملة الإعلامية التي ترافق إقراز زواج المثليين ــ الشواذ في أمريكا، والتي لا تأتي بالتأكيد بدوافع حقوقية وإنسانية بل بدوافع سياسية أيضًا، وربما اقتصادية ــ رأسمالية، تخص بالدرجة الأولى أمريكا وحاجتها، على المستوييْن الداخلي والخارجي، لتصوير نفسها على أنه "دولة الديمقراطية والحقوق والمساواة".
عودة إلى الجدار والفلسطينيين فقد أثار الفنان خالد جرار برسمه هذا زوبعة من التساؤلات والآراء التي خلط بعضها بين الأمور، وأراد بعضها الآخر أن يضع يده على المعضلة الرئيسية، على سبيل المثال من بين من دافعوا عن رسم قوس قزح على الجدار من احتج على ما أسموه "قدسيّة الجدار"، وهنا يهمني الوقوف على تلك المسألة، إذ أرى أن الاحتجاج على الرسم لم يكن دافعه "قدسية الجدار" كما وصفها البعض، بل إن دافع الرفض هو موضوع الرسم نفسه وظرفه الراهن كما ذكرنا، أي أن الاحتجاج على الرسم هو عين الاحتجاج على المثلية ــ الشذوذ وعلى تأييدها بالرسم أو بغيره، وبطبيعة الحال، فإن وجود التشكيل البصري لألوان قوس قزح قريبًا من رسم يُظهر بورتريه لمروان البرغوثي، كقائد ورمز سياسي في الوعي الجمعي الفلسطيني، هو ما جعل الأمر أكثر تعقيدًا وحساسية لا الجدار نفسه، أضف إلى ذلك، أنه شئنا أم أبينا، فإن الجدار ــ بالرسومات التي عليه ــ يصبح جزءًا من الهوية المكانية ــ السياسية الفلسطينية، ورفضُ الكثيرين لرسم قوس قزح عليه لا يأتي دفاعًا ــ وبالتأكيد ــ عن "قدسية الجدار"، بل هو رفض لأن تكون ألوان قوس قزح وما ترتبط به حاليًا جزءًا من تلك الهوية للمكان؛ النكبة جزء من الهوية الفلسطينية بل هي مفصل رئيسي في مسار صياغتها، لكن ذلك لا يعني أبدًا أن الوعي الجمعي الفلسطيني يقدس هذا الحدث المأساوي.
نعود للأسئلة الجوهرية: هل يجب أن نرسم على الجدار؟ أم علينا أن نهدم السجن بدلًا من "تجميله"؟ هل نؤيد رسم ألوان قوس قزح عليه بصفته يأتي متزامنًا مع تأييد زواج المثليين ــ الشواذ، أي أننا حين نؤيد الرسم نؤيد بذلك المثلية ــ الشذوذ؟ أم أننا نؤيد الرسم لأنه يريد أن يلفت نظر العالم إلى قضيتنا؟
بالنسبة للتساؤل الأول، أي هل يجب أن نرسم على الجدار؟ فهذا سؤال يفترض وجود القَصْديّة، أي أن فعل الرسم على الجدار يسبقه قصدية تقرر ما يجب فعله وما لا يجب فعله، وأرى أن فعل الرسم على الجدار بدأ عفويًا لا قصديًا، أي أن أول من كتب على الجدار لم يخطر في باله أصلًا هذا السؤال، والرسم على الجدران يبدو فعلًا عفويًا منذ وُجد إنسان الكهف، ويمكن أيضًا مراقبة الأطفال الذين تغريهم الجدران بالخربشة والرسم عليها، وإن قلتَ لي ــ مشيرًا إلى جدار الفصل ــ هذه جدارن سجن وليست لبيت أو لكهف، أقول: أيضًا لم تخلُ جدران زنازين الظلام والاعتقال من رسومات وكتابات من اعتُقلوا بداخلها، وربما لأن الأمر يبدو كذلك، خَرْبَش الفلسطيني بعفوية على جدران السجن، ثم انتقل إلى رسومات أكثر إتقانًا، ثم جذب الفنانين العالميين ليشاركوه هذا الفعل كفعل مقاومة بالدرجة الأولى، وهنا أصبحت هناك قصدية واضحة ومنظَّمة: وهي الرسم على الجدار بدافع المقاومة.
ومن تلك القصدية المقاوِمة نشأت قصدية أخرى؛ بدأ النقاش والتنظير والدعوات لعدم الرسم على الجدار بل لهدمه، بحجة أنه ليس على المستعمَر أن "يجمّل" جدران السجن الذي بناه حوله المستعمِر، ونذكّر هنا بإشكالية مصطلحات "يجمّل" و"جميل" و"جمالي" ونسبيتها وخضوعها لمقاييس الزمان والمكان والحالة. ومسألة هدم الجدار تلك أراها حقيقة تأتي كنوع من التنظير في ظرف يعلم تمامًا من ينادون فيه بهدم الجدار بأنه لا يمكن الآن هدم الجدار ولو حصل فسيكون ثمن ذلك مجازر يقوم بها الاحتلال في حق الفلسطينيين، وأن هدم الجدار لن يكون إلا في سياق ثورة عامة ضد الاحتلال ولإسقاط كامل كيانه، والثورة بدورها تحتاج إلى ظروف تُنْضِجُها للبدء والانطلاق.
لم لا يتم الدعوة حقيقة إلى هدم الجدار في سياق خارج النقاش حول الرسم عليه؟ لم لا تأتِ هذه الدعوات إلا في سياق النقاش حول الرسم أو عدم الرسم على الجدار؟ ما يدل على أنها دعوات تنظيرية تأتي بدافع الدفاع عن وجهة النظر وليست حقيقية. وهي لن تكون حقيقية طالما كانت الدوافع تنظيرية.
عودة إلى الجدار بألوان قوس قزح، فبغض النظر عما أراده الفنان من عمله، إلا أن للمتلقي أن يرى الرسم كما يشاء، ومن رأى الرسم على أنه تأييد لإقرار زواج المثليين وللمثلية أو الشذوذ فهو على حقّ وله كل الحق في ذلك، ومن رآه على أنه محاولة من قِبَل الفنان للفت أنظار العالم للمأساة الفلسطينية فهو على حقّ أيضًا.
بالنسبة لي، وقبل أن أقرأ توضيح الفنان على صفحته، تلقيت الرسم من النظرة الأولى على أنه احتفاء بالمثلية وتأييد لها، ولم يخطر ببالي حقيقة وفي اللحظة الأولى أن الفنان قد يريد من عمله هذا لفت الأنظار لقضيتنا، رغم أن التحليل الأول، أي أن الرسم يعني التأييد للمثلية ــ الشذوذ، يؤدي إعلاميًا وبالضرورة إلى الثاني، فرسم يؤيد المثلية على جدار الفصل وفي هذا الوقت بالتحديد يلفت النظر إلى القضية الفلسطينية ويذكر بالضرورة بجدار الفصل، طالما أن قماش الرسم هو جدار الفصل نفسه.
غير أن الرسم استفز بشكل عام الجمهور المحلي الذي لم يعتد على رسوم جرافيتية، أو حتى تشكيلية، تؤيد الشذوذ أو المثلية، ما أدى إلى ظهور دعوات لمحو الرسم، وقم تم ذلك بالفعل. ولننظر إلى النتائج علّنا نصل إلى ما يشبه النتائح: دهان أبيض يغطي ألوان قوس قزح على جدار الفصل، وذلك بحد ذاته تشكيل بصري يحمل في طياته رسالة من الوعي الجمعي مفادها: الفتوا النظر أيها الفنانون لقضيتنا ولمأساتنا بطرق وبرسوم أخرى لا شبهات حولها أو فيها.
*اديبة وباحثة فلسطينية
