ابنتك التي تحبك دوماً..
تاريخ النشر : 2015-06-30 00:13

بقلم – روان نصر الله :

كان كل ذنبي أني كنت الفرد الأصغر في عائلتي .. وذنبي الأكبر أني ورثت عن أمي رقتها, كانت كالزهرة التي تبلل وجهها بالندى ، ربما كنت أحتاج أن أصدق أني الآن كبرت وأن الندى الذي ورثته من أمي لن يساعدني على التقدم خطوة واحدة ، ربما كان علي أن أصدق أن أبي لم يعد معي هنا, ولم تعد تفيدني تلك الذكريات اللذيذة, عندما كنت طفلة صغيرة, أركض نحو والدي عند عودته من عمله متعباً " بابا يلا بدي بوظة هلأ هلأ" ..

كنت الطفله المدللـه في العائله ومازلت ، ولكن ماذا حصل لهذه الطفله يا أمي ؟ عندما غادرت عشك؟

في عشك يا ماما لم يكن كل هذا ، لقد رأيت هنا جماعات علاقاتها "الإنسانية" كما يسمونها, تُبنى على الإستهزاء بالآخرين والسخرية منهم والرقص فوق جراحهم, رأيت مجتمعا ذكوريا بامتياز, تلوم الفتاة فيه نفسها, تقيّد شعرها, تسجن حريتها, تلعن وتشتم مفاتن جسدها، خارج عشك يا ماما

فئة متذمرة جدا تطالب بحقوقها التي لا تعلمها من الأساس, ولديها لذة بقمع حقوق غيرها ، وجدت نفسي في مكان يحبط حتى الأشجار وحتى السماء, حتى السماء تصلها لعنة الإحباط هذه ، بعد كل هذا قررت الهروب وعزل نفسي في غرفة صغيرة وضيّقة جدا.

أتكوّر في فنجاني وأُحادث أزهاري وأتنفس معها من ثقب صغير بحجم قلبي يمرر أشعة الشمس وقليلاً من الهواء, اكتب بعض النصوص اللذيذة والتهمها, أحاول أن أجدّل شعري القصير وأفشل, آخذ جرعة مفرطة من الموسيقى وأنهيها دوماً ب " أمي يلا ملاكي يا حبي الباقي إلى الأبد ", أعلم أن بكائي يزعجك, ولكن صوت فيروز دافىء إلى حد البكاء, استغرب ممن يقولون بأن صوتها سيقودني إلى جهنم لأن الموسيقى حرام ..

أجلس يومياً في نفس المكان وفي نفس الزاوية, انتظر صوتك, أقبّله وأنام ، انتظر صوت أبي, أرتديه لأنام : " حبيبتي يا بابا انت اقوى من كل هاد, وانا واثق فيكي" ..

ولكن خارج عشك أيضا ، بيوت قديمة, وشوارع تحكي الكثير .. أعلم أنها تحبني كما أحبها, أرى وجه الله في تلك الجبال التي احتضنت يوماً ما ثائراً وبندقية ، لكني لا أعلم كيف يمر أحدهم بجانب علم فلسطين ولا يتأمله ولا ينحني له, هذا العلم لديه قوة عجيبه يا ماما, استطاعت أن تتغلب على عشك, واستطاعت ان تسلخني منه ..

كل رسائلي يا أمي, كانت تتحدث عن فلسطين, ورؤيتي لأشجار اللوز للمرة الأولى, وعن رغبتي بسرقة إحدى تلك البيوت القديمة من أصاحبها, أخبرتك أيضاً أن الطيور هنا تختلف عن طيور دبي, أخبرتك عن رغبتي بتلوين ريشها لأحوّل السماء إلى لوحة ملوَّنة بالأخضر والأزرق والفوشي .. وكم كنت تغارين من تلك البيوت والأشجار وحتى الطيور! ..

لا تقلقي يا أمي، فلسطين حبيبتي ولا أريد أن أُشفى من حبها, وقدسيتها في قلبي لم ولن تُنزع, رغم كل هذا الحزن في رسالتي ، الواحدة صباحاً ..

ابنتك التي تحبك دوماً..