غزة- خاص نوى- نور السويركي:
فتاة تقبل حصاناً على شاطئ بحر غزة، فيما الشمس تهم بالغروب, وطفل يتربع وسط أمواج البحر كأنه ملك زمانه, وكثير من الابتسامات والفوانيس والألوان التي اضاءت صوراً للغزيين فرحاً بقدوم الشهر الفضيل.
كل تلك المشاهد كانت صوراً تم التقاطها بعدسة مصورين من غزة؛ ليكشفوا وجه غزة الجميل الذي اختفى تحت آلاف الصور المليئة بالمعاناة والألم والدماء على مدار سنوات ماضية, وتحديداً عدوان يوليو 2014 الأخير.
بعيداً عن الوجع
المواطنة ابتسام أبو شمالة تحدثت باهتمام:" هذه الصور هي أمنية لكل الغزيين, يصممها المصور وتلتقطها عدسة الكاميرا؛ بأن يكون واقع الحياة في غزة جميلاً يعمه الأمن والسلام والحب والجمال".
تتابع:" استمتع بشدة بهذه الصور، ربما لا أبالغ إن قلت انتظرها, كُلنا يعلم أن غزة جميلة, لكن الاعلام اكتفى بنقل صورها في أوقات الأزمات، وتغافل عن دوره في إظهار جوانب الحياة, بعد العدوان صارت الناس في غزة تبحث على اي زاوية حياة, يكفينا الم".
الصور التي انتشرت دفعت المواطنة نورهان المدهون لأن ترى غزة بعين أخرى، تقول"عن نفسي بدأت أرى غزة بعين الجمال والابداع مع ظاهرة الصور الجمالية المنتشرة مؤخراً, بعض الأماكن التي التقطت بها الصور زرتها سابقاً لكني لم أراها جميلة كما رأيتها بالصور".
تضيف "هذه الصور تعكس جمال غزة ونفسية المواطن الغزى الايجابية والجميلة رغم الدم والدمار والحروب المتتالية, لقد تفتحت عيوننا في غزة على انتفاضة وحجار ورصاص, كغزيين افتقدنا مهمة البحث عن جمال الحياة في ظل بحثتنا عن أدنى متطلبات الحياة ".
مصوري غزة
إبراهيم فرج أحد أبرز صانعي هذه الصور, استوحى الفكرة من مواقع الصور العالمية يقول": قمت بتطبيق نماذج تتناسب مع طبيعة البيئة الثقافية والاجتماعية في غزة, وهدفي من الصور ليس اثارة الجدل والشهرة بل اظهار الوجه الجميل لغزة ونظرتي الايجابية لها, وأن في غزة حياة وجمال رغم كل شيء".
يضيف:" الناس لم تعتد رؤية مثل هذه الصور, اعتادوا صور الدمار والحروب وبالتالي أي شي جديد على الناس سيلقى جدل وردود افعال متباينة, لكن اجمالاً استطيع القول أن الصور لاقت قبولاً واسعاً لأنها تعبير عن رغبتهم في الحياة".
أما المصور الصحفي مفيد أبو زايدة والذي يرصد بعدسة مختلفة مظاهر الحياة يقول" أهمية الصور الجمالية أنها تعطى رونقا آخر لغزة من خلال تصويرها ونقلها للعالم على غير ما يعرفه العالم عنها,ومصورين غزة يأخذون على عاتقهم مهمة نقل الصور الجميلة للعالم لغزة بعيد عن الحرب والدمار".
يتابع" الصور ترتبط بواقع غزة, وواقع الناس فيها, ولذلك جاء تفاعلهم كبيراً معها, فهم يبحثون عن الحياة بسلام, هذه الصور لن تنسيهم ولن تنسينا كمصورين الفاجعات التي عاشتها غزة وخاصة العدوان الأخير, ولكنها تأتي في محاولة السعي للحياة حتى لو كانت من خلال صورة".
صناعة الصورة
وفي تعقيبه على صناعة الصورة الفنية في غزة يقول المصور الصحفي المخضرم محمد البابا: "التصوير إحدى الفنون البصرية، ولاشك أن جمال الصورة وقوتها في عفويتها، ولكن إذا كان الفنان البصري صاحب رسالة ويحمل هدف معين, أين هو الخلل في تجسيد فكرته وصناعة صورته عبر الكاميرا، لإيصال رسالة وهدف معين؟".
يضيف المصور البابا: "نحن لا نتحدث عن الصورة الإخبارية، نحن نتحدث عن صناعة الصورة وإبداع الفن البصري، وعناصر الصور الفنية "المصطنعة" -كما يحلو للبعض تسميتها- كلما كانت اقرب إلى الفكرة والهدف والرسالة كلما لامست وعالجت الواقع أكثر، وغزة مدينة حقًا في ثناياها جمال وفي أزقتها إبداع، وخلف كواليسها عشق وحب، يغمرهما إيمان بالله".
تعجيل للأمنيات
الاخصائية النفسية والاجتماعية علا أبو حسب الله, تؤكد على أن الجمال محبوب في كافة بقاع الأرض والانسان، دائما ما يبحث عنه ويتفاعل معه, "فكيف إذا ما خرجت من البؤس والقتل والدمار, من الطبيعي جداً أن تلقى رواجاً, فهي تظهر الجانب الأخر للحياة في غزة".
تقول "الناس نفسيتها مرهقة, وتبحث عن بصيص أمل في ظل الحروب المتتالية وماسبقها من أحداث الانقسام الفلسطيني, ووجود مثل هذا النوع من الصور أعطى لهم جانب مضيء يركزن عليه ويتطلعون له".
تضيف:" في كل حروب إسرائيل ضد شعبنا, سعت إما لإرداء الفلسطيني إما ميتاً جسدياً, أو فاقدا لجميع مؤهلات الحياة بمعني أن يكون ميت داخلياً, وما حدث من تفاعل كبير للناس مع هذه الصور هو نوع من أنواع مقاومة الموت والبؤس, وفيها تعجيل لأمنيات طال انتظارها بحياة كريمة و آمنة بعيداً عن الدمار".
بعد عام من العدوان على غزة، عدسات المصورين التي نقلت صور الدمار والدم والموت المتطاير في غزة، ذاتها ترصد الفرح والجمال والحياة، التي تصنعها غزة كمدينة فريدة لا تشبهها مدن أخرى.
