هل نعرف ما هو المشروع الوطني الفلسطيني؟ نعم نعرف انه كفاحنا الوطني الكلي والجامع من اجل خلاصنا السياسي من الاحتلال كما الاستعمار البريطاني بالأمس , وكذا الوصاية على قرارنا وصولا الى إعادة بعث فلسطين دولة الشعب الفلسطيني وعاصمتها القدس، وتحقيق استقلالنا الناجز وحريتنا على ارضنا وسمائنا وهوائنا , واستثمار مقدراتنا ومواردنا الطبيعية وتحقيق حلمنا في بناء دولتنا على أساس وقواعد الحكم الراشد والديمقراطية والعدل , وتصفية الحساب التاريخي مع نكبة العام 1948 بتحقيق عودة اللاجئين .
وهل نعرف اذن الطريق النظرية او الوسيلة التي تقودنا كما قادتنا في الماضي حتى الاّن لبلوغ هذه الغاية العظيمة اللذة الكبرى ؟ وهل نملك الأدوات كما العوامل او الروافع المساعدة في تحقيق ذلك ؟ والجواب هو نعم . لقد عرفنا في الماضي كما نعرف اليوم، وكانت لنا نظريتنا التي هي جماع خبرتنا التاريخية كما ذكائنا ووعينا الجمعي , المستمد من قوة روحنا الباطنية وكوكبة فريدة وفذة من القادة الملهمين والمخلصين : الحاج امين الحسيني واحمد الشقيري وياسر عرفات وجورج حبش واحمد ياسين وفتحي الشقاقي . والذين لم يحل تنوع أفكارهم ومعتقداتهم دون توحد رسالتهم وتكامل جهودهم في سبيل تحقيق هذا المشروع .
وهذه هي الطريق التي سرنا عليها : من الكفاح المسلح الى الثورات الشعبية والانتفاضات السلمية , ومن هذا الكفاح العنفي والحربي الشعبي والنخبوي الى الكفاح الدبلوماسي والسلمي , والتغطي تحت رداء الشرعية الدولية كما المعايير القيمية والأخلاقية لعالم بدوره اّخذ بالتحول , بازدياد قوة المنظمات والمؤسسات الاهلية وغير الحكومية , والتي تقوم اليوم كما الامس باشهار سلاح المقاطعة ضد الاحتلال . وصولا الى المفاوضات وعقد الاتفاقات كما الهدنات والتهدئات وكل ذلك في امتزاج وتداخل فريد وخلاق يؤطره مفهوم شامل , قوامه مواصلة القدرة على الصمود والبقاء وتحاشي الفشل . وادراك واضح لديالكتيك العلاقة بين الزمن والسياسة الذي وجد تعبيرا مبكرا له في شعار فتح عند مهاد انطلاقتها عن حرب التحرير الشعبية طويلة الأمد .
هنا في هذا الشعار او الفهم انما تجلت قوة تفوقنا الفلسفية ان شئتم في امتلاك نظرية في إدارة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي كما المشروع الصهيوني . الشعار الذي لم يمل التذكير به في أيام حصاره الأخير في المقاطعة ياسر عرفات , في إعادة ترديده كل مرة القول الشعبي "نحن واياهم والزمن طويل" . لماذا يحاول البعض منا اذن المصادرة على هذه الفلسفة ؟ وحيث هنا في هذه الاستراتيجية طويلة الأمد كان يكمن تفوقنا باضفاء تصورات مفعمة بالنزعة الكارثية والتشاؤم والسواد , تختزل مفهوم الزمن كنهايات تعسفية تجافي منطق الصراع .
قيل ذلك بعد توقيع اتفاقية أوسلو والمفارقة اليوم ان حماس التي تتفاوض على التوصل الى اتفاق هدنة طويلة الأمد مع إسرائيل , كانت هي التي عارضت وانتقدت بشدة اتفاقية أوسلو باعتبارها التهديد الذي يمس المشروع الوطني الجامع وبسلامة الاتجاه او الطريق . ومعها الجهة الشعبية التي كانت في العام 1974 على رأس المعسكر الفلسطيني الرافض , لما اعتبرته جنوح ياسر عرفات نحو هذا الانحراف او الدنس السياسي عن اهداف المشروع الوطني الفلسطيني . ما أدى الى حدوث اول انقسام فلسطيني داخلي قبل ان نصل الى الانقسام الحالي .
واليوم ان فتح والرئيس أبو مازن هنا من يرون في ذهاب حماس الى عقد او ابرام اتفاقها مع إسرائيل , على انه الانحراف الاّخر عن البوصلة بوصلة المشروع الوطني الفلسطيني نفسه , الذي يتم الانحراف عنه بهذا المعنى او في هذا الزمن المتطاول منذ العام 1974 ثلاث مرات . "سوف تنكرني في هذه الليلة يا بطرس ثلاث مرات قبل صياح الديكة" . خاطب السيد المسيح اخلص تلامذته القديس بطرس عند قبض الرومان عليه , وسط دهشة وذهول بطرس نفسه .
ان القرارات الكبرى والحاسمة والتي غيرت وجه التاريخ على مسرح السياسات العالمية , لم تتخذ عبر هذا التاريخ بالاجماع . وانما وارجو الا تصدموا أيها الفلسطينيون عبر الانقسام . تماما كما انه لم تحدث التحولات الكبرى في هذا التاريخ الا من خلال الولوج في هذه التجربة , بالمرور من عتبة الحروب الاهلية في أوروبا فرنسا والمانيا , وقريش في مكة والمدينة . اما ما هي علاقة ذلك بالمشروع الوطني الفلسطيني ؟ فأن هذا المشروع في هذه المقاربة التي نحاول توضيحها هو اشبه بالمخطط الكبير , أي الحلم والهدف النهائي او الغائية الكبرى . اما النزوع الى البراغماتية او المساومات التاكتيكية , فهي ليست سوى "المنحنيات" او المنعرجات التي تحدث عنها نابليون . والتي هي الدروب التي تشكل خطوط سير الجيوش كما الاستراتيجية , وهو ما يعني ان السياسة هي التي ينبغي عليها ان تواجه تحدي سؤال لينين "ما العمل" ؟ وان تجيب بجرأ وشجاعة وتصميم على سؤال اللحظة الراهنة "ما ينبغي عمله " ؟ .
اما الزمن، فهو من يحمل الإجابة على ما هو محتمل , مروحة النتائج والاحتمالات . فهل كان عرفات سيعلم ان احداثه التحول التاريخي في الخطاب السياسي الفلسطيني العام 1974 , سوف يتكلل بالانخراط لاحقا في حربين طاحنتين : الأولى مكيدة كيسنجر العام 1975 كطرف رئيسي في الحرب الاهلية اللبنانية، والثانية العام 1982 باجتياح إسرائيل للبنان واخراجه منها . وبالمثل هل راودت عرفات في لحظة بينه وبين نفسه وهو يقف وقفته الأخيرة في حصاره في المقاطعة، ان اتفاقية أوسلو التي وقعها وذهب اليها العام 1993 , كانت خطا او راوده الندم بالتوقيع عليها ؟ .
لا نستطيع الإجابة على هذه الأسئلة الافتراضية , لكن هيغل هو الذي لاحظ ان الاحداث الواقعية في التاريخ , هي وحدها التي يجدر النظر اليها باعتبارها احداثا عقلانية , واتصافها بهذه العقلانية المجردة والخالصة . ولقد انكر القديس بطرس المسيح حقا امام الحاكم الروماني في تلك الليلة , لكن اوليس على صخرة هذا القديس اليوم تقوم الفاتيكان في روما مملكة المسيح على الأرض , على انقاض الإمبراطورية الرومانية ؟
قليلا من التعقل والحكمة والتبصر في نظرتنا وحكمنا على الاحداث , ان المشروع الوطني هو مشروع زماني لن يتحقق بالضربة القاضية , وانما بالنقاط او السير على هذه المنحنيات , وليس على الطريق المستقيمة التي تشبه شارع الجلاء .
اما نحن فكما كنا قبل العام 1948 وبعد العام 1967 , نحن الباقون هنا الى يوم الدين .
وهذا هو قوام المشروع الوطني الذي يتلخص بالقدرة على البقاء في المكان والزمان , والذي يجد تكثيفه في هذا الفضاء الثقافي التاريخي.
جدل العلاقة بين السياسة والزمن والمشروع الوطني الفلسطيني
تاريخ النشر : 2015-06-20 14:27
