بقلم – الدكتور غازي انعيم :
نقابل الكثير من اطياف المجتمع ومن ضمنهم كتاب وفنانين ومثقفين وهؤلاء يؤكدون في احاديثهم ( الطالعة والنازلة ) ابعدونا عن السياسة وخلينا في الثقافة...وهؤلاء لا هم في الثقافة ولا في السياسة.. وكأن السياسة بعبع او كأنها لا تدخل في كل صغيرة وكبيرة في حياتنا وان السياسة في البلدان المتقدمة مبنية على حرية الناس وتؤمن لهم لقمة العيش والكرامة والعزة..
كان بودنا ان لا نتحدث في السياسة التي تعتبر عن البعض خط أحمر.. وهي بالطبع مكفولة للبشر في دساتير بلدانها، لكن الثقافة تقودنا بأعمق طبائعها إلى أعماق السياسة، أي فلسفتها، وهي زاوية معرفية، أقل خشونة من الخطاب المباشر، وأبقى أثراً، لأنها ترسخ في أساس البناء المعرفي للرائي، وكم نحن أحوج للرائين ثاقبي البصر والبصيرة في هذه الأيام.
تدلنا خبرات علوم النفس على وجود نقيضين من صنوف البشر، احدهما بناء والآخر هدام، أحدهما يمضي في ركاب ثقافة غرائز الموت والتدمير والتفرقة، والآخر يسعى في مواكب ثقافة الحياة، ويكرس جهده لازدهارها.
إن الذي لم يكل من بث سموم الطائفية والعنصرية وثقافة الانحدار ومن إشعال الحروب والانتشاء بالموت - موت الآخرين بالطبع - ويعمل على اتساع الفجوة بين الهويات التي تحيا تحت سماء الوطن الواحد.. لا يمكن أن يستوي مع الذي لم يكل من غرس الأرض الموات لتدب فيها حياة الاخضرار من كل صنوف الابداع، وتزدهي بكل الحيوات التي تتداعى عطشى إلى مناهل هذه الحياة.
وسواء أراد المثقف او المبدع او المفكر أو لم يرد، فإن حكومات بلداننا تنظر إلى تلك الثلة بكثير من الشك والحذر والريبة.. ويقوم هذا الشك على الاعتقاد بأن المثقفين يقفون بوجه عام موقف المعارضة والنقد، وانه وجب على السلطات المسؤولة أن تعمل دائما على استئناسهم وتدجينهم بمختلف الطرق والوسائل.
والمهم في هذا كله ان الحكومات لم تعد تعير اي اهتمام للثقافة وواقع الحال يشهد على ذلك... فبعد انحسار الحركات القومية العربية تم تعزيز الثقافة القطرية بشكل قوي محدثة شرخاً بين أبناء الشعب العربي، بحيث أصبح كل دولة عربية لها ثقافتها وشخصيتها، وقد دفع في ذلك طبيعة الأنظمة الحاكمة التي حرصت على ترسيخ القطرية كما أنها نجحت في دق اسفين بين أبناء الشعب العربي من خلال تعزيز ثقافة الاقصاء فيما بينها، والترفع بل وازدراء بعضها بعضا والتكبر والعنجهية في التعامل.. ولا تتوانى في استخدام العنف فيما بينها للتعبير عن كراهيتها احيانا.
ومن الثقافة القطرية إلى الثقافة في القطر الواحد ففي كل قطر عربي لا توجد هناك ثقافة مشتركة يمكن ان يلتف حولها افراد دولة عربية. فعلى الرغم من ترسيخ الثقافة القطرية لكل دولة فإنها لم تنجح في انهاء التباين الثقافي بين مكونات المجتمع، لأن معظم الأنظمة العربية اعتمدت على التشكيلات الاجتماعية ( كالطائفية والقبلية والأقليات العرقية.. الخ ) في هيمنتها على الدولة والمجتمع بحيث خلقت حالة من التفرقة والصراعات الاجتماعية والسياسية، وحولت كيان المجتمع والدولة الى نظام من المخاصصة خصوصاً بعد تسييس التشكيلات الاجتماعية.
وكما هو معروف فقد تخللت هذه الثقافات أصناف شتى من العصبيات والمفاهيم الاقصائية، وتجذرت في بعض المجتمعات العربية لدرجة تحول بعضها، خصوصا الطائفية، لأعمال عنف ومصادمات دموية احياناً كما يحدث الآن في بعض البلدان العربية.
وفي ظل هذه الأجواء نلاحظ أن المثقف لم يكن حاضرا وفاعلاً في المشهد الثقافي والاجتماعي والسياسي العربي... ولم يعد يدافع عن مشروعه.. كما ان ضعف المثقفين وتشتتهم ساهم بأن تكون الثقافة في آخر سلم أولويات الحكومات مع العلم أن الثقافة جين أصيل في الجنس البشري على مر الزمان، كما أنها الوطن الديمقراطي الكبير، الذي يتسع للاختلاف ويفسح صدره للخلاف.
ان عملية النهوض أساسها ثقافي، فالثقافة السائدة في مجتمع ما تعكس طبيعة قيم المجتمع وتخلق البيئة التي تحتضن عملية التغيير.
