بقلم غازي انعيم :
قبل 4 سنوات بدأ ما يسمى بالربيع العربي وبدأت مع هذه السنوات العجاف حالة من الفوضى والخوف والقتل والتدمير الممنهج من قبل جماعات لا علاقة لها بالدين وبمباركة صهيونية وأمريكية وأوروبية وعربية.. وتلك الجماعات عملت على تغبير وجه الأرض العربية بعد ان كانت الشمس مشرقة ووجه الأرض وضاح ضاحك... وملأت السماء سحب سوداء..
فتكدّر الجو العربي حتى صار أي غناء فيه نشازاً، كالذي يغني أغاني الأفراح في المآتم . كما انها ضربت التعايش السلمي وسكتت الناس عن الحديث في الوحدة الداخلية فكيف بالوحدة الخارجية الشاملة الكاملة والتي تراجعت في حسبان العرب الى حين.
كما عملت تلك الجماعات على محو وتهميش بعض الهويات الوطنية إلى جانب اثارة النعرات الطائفية.. بالاضافة إلى حرف بوصلة النضال عن فلسطين، وهذا الجو انعكس على المثقفين العرب،ولا يزال الجدل قائما في صفوف النخبة المثقفة حول قضية محورية وشائكة تتمثل في محاولة الاجابة عن السؤال التالي: كيف استطاعت نظم استبدادية قامعة للشعوب وكذلك قوى ظلامية أن تجد في صفوف المثقفين من يؤيدها، ويحاول تبرير سياستها فكريا باسم شعارات مختلفة؟
وهذا يجعلنا نطرح السؤال التالي: لماذا تنتكس الثقافة وينتكس التنوير؟ وهو سؤال ينطلق دون ريب من محاولة فهم أسباب موجة الردة التي طغت على الفكر والثقافة العربية في الآونة الأخيرة.
لقد أصبحت الثقافة العربية مهددة بهذا التحدي من قبل الجماعات الظلامية التي عملت على خنق الحرية وخنق عوامل الابداع والابتكار من خلال تدمير كل ما يمت لهذه الأمة من تاريخ.
أما الخطر الأكبر على الثقافة هو خضوعها لعوامل الفرقة والتناحر بين عناصرها المختلفة، والسعي من جانب بعض أطرافها لإلغاء الآخر واستبعاده أو حتى تجاهله والتقليل من دوره فيها.
ورغم الذي تمر به الأمة فإننا نؤكد أن قوة الثقافة العربية هي في وحدتها المتنوعة، وفي تنوعها الذي يتدفق كنهر نحو مصب واحد، وهي لا تخص بلداً بعينه، ولا شعباً بمفرده، ولا جماعة عرقية مهما بلغت درجة أصالتها، وإنما تخص جماع روح هذه الأمة، فهي نتاج الباحثين عن جوهر الحياة، والغواصين في مياه الخليج، وانطلاق القبائل متعددة الأنساب في الصحراء العربية، وثمار الفلاحين ذوي الحرث على ضفاف أنهار النيل، ودجلة والفرات وبردى، والرعاة الأشداء على جبال أطلس، وهي تخص أبناء المدن، وبدو الواحات، وتخص أيضاً تلك العرقيات المتعددة التي تعيش معنا، والتي تجمعنا معها أواصر الجغرافيا والتاريخ، ووشائج الدين، الأكراد في الشمال والأمازيغ وغيرهم في الغرب، والقبائل الافريقية في الجنوب.
وكل ما يقال عن مركزية الثقافة العربية، وعن الانفصال بين مشرقها ومغربها، وعن العربي والمستعرب، والأصيل والبيسري، كلها مسميات فقدت معناها، وفات اوانها، لأنها من مخلفات الضعف والفرقة والانحطاط، إننا بحاجة إلى رؤية تجمعنا معاً، إلى تضافر كل التيارات الفكرية والسياسية والفنية من اجل تجديد هذه الثقافة، وجعلها عصرية موضوعية قائمة على إعمال العقل، وليس على الجهل والخرافة والاقصاء والقتل.
اننا نريد ثقافة تاخذ مكانتها في التعبير عن شخصيتنا وحضارتنا وعن استشرافنا للتقدم وليست دليلاً على التخلف.
