معان الأردنية.. مدينة تُدفع نحو الإرهاب!
تاريخ النشر : 2015-06-02 18:24

كتبت - رانية الجعبري

للإعلام جرائمه، ومن بينها اختزال بعض المدن بكلمة واحدة.

وعلى ما يبدو فإن مدينة معان الاردنية تحوّلت الى ضحية من ضحايا الاعلام المحلي والعربي والغربي.

وبعدما كان ينظر الى معان باعتبارها منبعاً لـ «التمرد»، بمعناه الايجابي، أصبحت المدينة الاردنية منبعاً للتطرف الجهادي الذي يهدد المنطقة برمتها.

المدينة الواقعة في جنوب الاردن، كانت منطلقاً للشرارة التي اشعلت «هبة نيسان» في العام 1989 ، والتي سرعان ما امتدت الى باقي المحافظات، لتعيد الحياة الديموقراطية الى المملكة الهاشمية بعد 30 عاماً من الاحكام العرفية.

معان نفسها كانت سبباً في إقالة ثلاثة رجال أمنيين رفيعي المستوى، في 17 ايار الماضي، ومن بينهم وزير الداخلية حسين المجالي - الجنرال الذي تمكن من إخماد آثار «الربيع العربي» في الاردن - وذلك على خلفية تقصيرهم في معالجة ملف ثلاثة مطلوبين من ابناء المدينة.

وجاءت هذه الاقالات إثر أحداث عنف جديدة شهدتها معان، بعدما اشتكى أهلها من استخدام «قوة مفرطة» من قبل رجال الأمن في تعاملهم مع مطلوبين أمنيين.

التطورات الاخيرة في معان يمكن اضافتها الى ارث عمره 27 عاماً، وهي تعزز التساؤلات بشأن واقع المدينة، التي يصفها البعض بأنها الاكثر اشكالاً، مقارنة بباقي مدن المملكة الاردنية ومحافظاتها.

تطرف معان كذبة!

يرى الكاتب والباحث الأنثروبولوجي أحمد أبو خليل لـ «السفير» ان «مدينة عمّان كذبت كذبتها عن معان وصدقتها».

ويشرح أبو خليل فكرته، التي توصل إليها بعد إقامته لمدة أسبوع في معان بهدف البحث في قضاياها التنموية، قائلا «أقصد بذلك الانطباع المكتظ بمفردات الفوضى والإرهاب والتمرد وفقدان الأمن... وداعش» من دون أن ينفي الطابع المحافظ للمدينة الواقعة عند الحدود مع السعودية.

وتؤكد دراسات تناولت واقع الجماعات الاسلامية المتطرفة في محافظات الاردن أن معان تعتبر من المحافظات المتشددة، لكن ثمة فرقاً حقيقياً بين أن تختار أي مدينة بمكوناتها طريق التطرف، وبين أن تُقاد إليه بسبب ظروفها التنموية والاقتصادية.

لا ينكر أحد خصوصية معان، والتي تعود بشكل خاص الى قربها من المملكة العربية السعودية.

ويقول الباحث المتخصص في الجماعات الاسلامية مروان شحادة، لـ «السفير» ان «عائلات معان تقسم إلى قسمين: حجازية (نسبة إلى الحجاز) وشامية»، مشيراً الى ان «الأجواء الاجتماعية للمدينة قريبة جداً من السعودية».

ويبدو ان طابع التدين الوهابي في معان قد ازال الكثير من الحواجز بين أهلها وتيار السلفية الجهادية، ولكن صورة المدينة لا تكتمل الا بالحديث عن تقاليد المعّاني التي تجعله «ينصر أخاه ظالماً أو مظلوماً».

وانطلاقاً من فكرة التماسك الاجتماعي، يقوم السلفي الجهادي بحماية المعاني المجرم، والعكس صحيح.

كذلك، لعب غياب التنمية دوراً محورياً، ففي بنود أي تقرير أو أي بحث عن التطرف والمدن الاردنية، يبدأ القارئ أو الباحث في كلمة «التنمية» وينتهي عندها.

ويبدو واضحاً ان ابن معان، الذي يعاني من الفقر والبطالة، إن رأى بصيص نور في نهاية النفق المظلم فسيسعى إليه.

ومع ذلك، فإن المعّاني لا ينخرط بصورة كبيرة في الاحزاب السياسية، اذ لا انتماءات سياسية تغلب على الانتماء لابن المدينة والعشيرة.

السلفية الجهادية.. و «داعش»

ولكن، لوضع مسألة التطرف في نصابها، لا يمكن إغفال على سبيل المثال «كتيبة شهداء معان» التي أعلنها «داعش» قبل أكثر من عام، كما لا يمكن تجاهل الدراسات والابحاث التي تؤكد تواجد السلفية الجهادية في معان،

في هذا السياق، يقول رئيس ملتقى معان الثقافي هارون الخطاب لـ «السفير» ان «هناك فارقاً بين المتعاطف مع داعش والمنتمي اليه»، مقرّاً في الوقت ذاته بأن هناك «معانيين متعاطفين مع (داعش) ويعلنون ذلك صراحة».

كذلك، لا ينفي رئيس فرع نقابة المهندسين في معان المهندس ياسر كريشان، في حديث الى «السفير»، وجود تطرف في المدينة، لكنه يشدد على ان هذا التشدد لا يعم المدينة كلها.

ويذهب كريشان ابعد من ذلك، اذ يرى أن التطرف الموجود هو بقيادة الاجهزة الامنية، التي تستغله في أحيان كثيرة لافتعال حدث، أو للتغطية على أحداث معينة. وهو يعتقد ان الحكومة الاردنية مهدت التربة الخصبة للتطرف في المدينة من خلال «غياب التنمية الاقتصادية» وهي في ذات الوقت تمسك بمفاتيح اللعبة من خلال علاقتها مع بعض أعضاء التيار السلفي.

ولكن ما جدوى الامساك بخيوط لعبة خطرة كهذه؟

يجيب كريشان بأن الأردن يعتمد على المساعدات الخارجية، وأن الحديث بشكل كبير عن وجود «داعش» في معان يشرع الابواب للدعم المادي الذي تتلقاه المملكة الاردنية من السعودية ودول الخليج للتصدي لخطر التطرف الذي بات يهدد الجميع.

العز الغائب

يُجمع المحللون والباحثون على أن المشكلة الحقيقية التي تواجه مدينة معان هي مشكلة تنموية بالدرجة الأولى، فهي تعد احد أكثر مدن المملكة تهميشاً، ويقابل ذلك إحساس بمكانة المدينة على مدى مئات السنين، بل ودورها في العصر الحديث، الذي تبعه إهمال من الدولة الأردنية.

وفي هذا الاطار، يقول أبو خليل انه «بعد الفيضان الذي اجتاح معان عام 1966، والذي قتل العشرات من أبنائها ودمر قسماً من بيوتها، تم نسيان المدينة، فلم تعد تذكر في الصحف الا مرات معدودة حتى قيام هبة نيسان في العام 1998، إذ حضرت فجأة وبقوة باعتبارها المدينة التي قالت ما يخشى الآخرون قوله».

وبرغم إشارة أبو خليل إلى أن معان عاشت خلال عقد التسعينات أفضل صورة لها في الذهنية الأردنية العامة، اي صورة المدينة الشجاعة، حتى ان الاردنيين صاروا عند كل حدث ينتظرون ماذا ستقول معان، إلا أن ذلك لم يغير من سلوك السلطة الاردنية تجاهها، فصرخة المدينة وقتها استدعت الحديث عن الحلول التنموية، ولكن طوال السنوات المنصرمة لم يأكل أهلها إلا الكلام المعسول.

وفي هذا السياق، يقول أبو خليل إن أقبح أشكال التنمية مورست في معان، فمنذ العام 1989، تم انفاق مئات الملايين لهذا الغرض، من دون تحقيق اي نتائج، لأن هذه الأموال ضلت طريق المدينة أصلاً.

ببساطة هي مدينة تقع أسيرة الماضي بسبب عدم الرغبة الحقيقية لدى الحكومات في تنميتها. وبالإضافة الى ما سبق يقول الناشط في مجال حقوق الانسان اكرم كريشان في حديثه الى «السفير» إن رئيس الوزراء ومنذ توليه المنصب قبل أربع سنوات لم يقم بزيارة معان ولو لمرة واحدة.

ممنوعون من الكلام والطلب، وممنوعون من الاعتراض، وممنوعون من البحث عن بدائل بسبب غياب التنمية،

كل هذه الممنوعات تدفع أكرم كريشان الى القول: «نحن لا نهوى المناكفات ولا نحبها... لكن هذه الطريقة الوحيدة لنقول ما لدينا»!

 شخصيات معانية

في هذه الظروف التي تحوّلت خلالها صورة معان من المدينة الأردنية العريقة، التي يرى أبناؤها أنها عاصمة الأردن الأولى، إلى منبع المشاكل على اختلافها (تمرد أو تطرف)، ثمة حاجة الى استعادة شكل المدينة الحقيقي من خلال تقديم عينة من ابنائها على مر تاريخ الأردن الحديث.

أول هؤلاء، ولعله أكثر الشخصيات تأثيرا في ذهن الأردنيين وليس أهل معان وحسب، هو عودة أبو تايه الذي انضم الى الثورة العربية الكبرى انطلاقا من انشغاله بالهم القومي.

وتولى أبو تايه، الذي ولد في العام 1870، زعامة قبيلته وهو لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، وكان يناصب الدولة العثمانية العداء منذ الصغر، لكن عندما جاءت الثورة العربية الكبرى بقيادة الهاشميين كان من اوائل المنتسبين إليها، إذ وجد الفرصة مواتية وتصرف بعقيدته التي كانت تعتبر أن الدولة العثمانية كانت فاسدة الادارة وظالمة للشعوب العربية وساعية لتجهيلها.

ولم يقف ابو تايه ضد الدولة العثمانية وحسب بل نظم مع زعماء بلاد الشام، مع سلطان باشا الأطرش ومع إبراهيم هنانو، ومحمد الشريقي، وسعيد باشا خير، تظاهرات ضد المخططات البريطانية - الفرنسية في المنطقة.

واختصر وزير الدفاع السوري الدكتور مصطفى طلاس أبو تايه بعبارة صغيرة «عودة أبو تايه قبيلة في رجل»، في حين اختصره المؤرخ محمود عبيدات بأنه كان بياناً تحريضياً للأمة وللأردن.

وأنجبت معان أيضا يوسف العظم الذي يعد واحداً من أبرز أعلام الفكر الإسلامي، ومربياً جمع في شخصيته، أبعاداً متنوعة وعميقة، أسهم في البناء السياسي والفكري والتربوي الأدبي في الأردن.

وولد العظم في العام 1931، وعانى من الفقر خلال طفولته وشبابه، حيث كان والده رجلاً فقيراً يعمل في شركة نفط العراق، لكنه مع ذلك أرسل ابنه إلى الكتّاب في المدينة، حيث تعلم القراءة والكتابة والحساب، وحفظ سوراً من القرآن الكريم. وتمكن العظم من التدرج عبر اجتهاده إلى أن أسندت اليه حقيبة وزارة التنمية الاجتماعية في العام 1990.

أما بهجت التلهوني الذي ولد في العام 1913 فقد كان رئيسا للديوان الملكي في العام 1953 وحتى العام 1960، وهو احدى شخصيات الرعيل الأول التي ساهمت في مسيرة الحياة السياسية مدة لا تقل عن ثلاثين عاماً. وكان له دور بارز في مجمل الأحداث الهامة في تاريخ الاردن المعاصر أو تلك التي تركت بصمات واضحة في شتى ميادين العمل السياسي الاردني ولقد عرف بمواقفه الوطنية والقومية الثابتة.

وبرغم الظروف التي مر بها ورغبة المحيطين به لم يتجه إلى التجارة، ودرس الحقوق في جامعة دمشق – كما كان يحلم – وتدرج في سلك الوظيفة فشغل مناصب قضائية ومناصب في صناعة القرار بعد ذلك.
عن "السفير" اللبنانية