أين كنا وأين وصلنا ؟؟
تاريخ النشر : 2015-05-31 18:26

أتعجب لحجم التفاعل على المواقع الإخبارية وشبكات التواصل الاجتماعي مع الأحداث والقضايا التي تعد “هامشية” بالقياس إلى القضايا الكبرى التي كانت تشغل بالنا في الماضي وتتداعى لها ومعها جوارحنا وأدواتنا في الضغط الشعبي، وتابعت في اليومين الماضيين الأفعال وردود الأفعال والتعليقات المرتبطة بحدث التصويت الفلسطيني على رئاسة الفيفا وحدث سحب طلب تجميد عضوية الإتحاد الإسرائيلي لكرة القدم من المؤسسة الدولية، ورأيت كيف جعلنا من سلوك الاتحاد الفلسطيني قضيتنا الوطنية الكبرى، وقامت الدنيا ولم تقعد، بالرغم أن هذا السلوك لا يعد قضية كبرى بالقياس إلى أشكال أخرى من السلوك السياسي أودت بما تبقى من مشروعنا الوطني!!
ليس مهماً “الإنجاز الذي تحقق” على رأي المدافعين، ولا “الإخفاق الذي حصل” على رأي المعترضين، الأكثر أهمية بتقديرنا هو أننا (بقدرة قادر) انتقلنا إلى زمن البحث عن انتصارات ولو كانت وهمية وعلى حساب القضايا الأكبر، ففي اليوم الذي يقتحم فيه ثلة من المستوطنين للحرم القدسي الشريف يكون برشلونة قد فاز بكأس أسبانيا، وساعتها ستجدنا “نرقص ونطبل ونهلل لإنجاز برشلونة”، ولا بكاء على الأقصى، في اليوم الذي تفتح فيه مصر معبر رفح ليومين لعودة العالقين على أراضيها يكون يوماً للحديث عن خطوة هامة وفي الاتجاه الصحيح ويبدي الجميع تفهمه للحاجة الأمنية المصرية، وننسى أن المعبر ينبغي أن يكون مفتوحاً في الاتجاهين طيلة أيام العام ودون معوقات تذكر!!، وتطالعنا أنباء عن إدخال 400 شاحنة من معبر كرم أبو سالم، ويخرج المسؤولون ليؤكدوا أن “وراء هذا الإنجاز” جهوداً كبيرة بُذلت، ونتناسى عن عمد أن المعابر التجارية ينبغي أن تكون مفتوحة طيلة الوقت وبلا معيقات لإدخال كل ما يريده الفلسطينيون، شاءت إسرائيل أم أبت، وفرح بعضنا “لإنجاز” تسهيل الحركة للرياضيين الفلسطينيين، بينما يعتبر الحق في التنقل من حقوق الإنسان الأساسية التي نصت عليها الشرعة الدولية وأقرتها كل مواثيق الكون، وفي الوقت الذي يرى فيه بعضنا أن حصول البعض على “جمع شمل” يعتبر إنجازاً وطنياً فإن كل الدنيا تعرف أن حق العودة وحق الحصول على جنسية والتمتع بمواطنة هو من حقوق الإنسان الأساسية، وحق العودة الفلسطيني بالتحديد منصوص عليه في قرارات أممية، فمن الذي فعل بنا كل هذا؟؟!!
بعضنا ذهب في مشوار البحث عن مبدأ “الخلاص الفردي” إلى الحد الذي أصبح معه جاهزاً “لبيع كل شيء” مقابل الحصول على تمويل لمشروعه، أو فرصة عمله في مجاله، أو ترقية في وظيفته، أو حتى وثيقة سفر تنقله إلى العالم، هؤلاء هبطوا بسقف توقعاتنا الوطنية إلى الحد الذي أصبح معه “أكبر طبق كنافة” بمثابة إنجاز وطني مهم، وأصبح “الحصول على كيس أسمنت” مغنم كبير، وأصبح “مصافحة سفير أجنبي” مصدر فخرٍ واعتزاز!!، ويعود بعض المراقبين إلى التساؤل عن أسباب تراجع مشروعنا الوطني وأسباب تخلينا الطوعي هذه المرة عن حقوقنا المشروعة في الحرية والاستقلال وتحرير الأرض وتفكيك المستوطنات واستعادة القدس وعودة اللاجئين، هؤلاء جعلوا من الهجرة والتخلي الطوعي عن حق العودة مطلب أساسي لمعظم الشباب الفلسطيني، هؤلاء كانوا أدوات المحتل وأعوانه دون مقابل، وباتت قضيتنا بسببهم في مهب الريح.
أضحت قضايانا “تٌسامُ رخيصةً” في المزاد العلني الذي افتتحه البعض على الثوابت، وباتت أمانينا وطموحاتنا حتى دون طموح طفل فلسطيني يهيم على وجهه في مخيم اليرموك أو عين الحلوة أو الشاطئ، وبات أصحاب الياقات البيضاء هم صفوة المجتمع ونخبته، بعد أن كان “الملثم ذو الكوفية والمقلاع في يديه وبنطال الجينز وحذاء الفورزا” هو رمز عزة الوطن وفخره وإنجازه، وحتى يعود ذلك الزمن، طال الزمان أم قصر، سنظل نتغنى بأمجاد خالد وصلاح الدين وبيبرس، ونقيم مآتمنا على موائد “اللئام الجدد”!!