رام الله – نوى :
لعل رواية "يعدو بساق واحدة"، الصادرة مؤخراً عن دار الأهلية للنشر للكاتب الفلسطيني سامح خضر، تعدّ واحدة من تلك الروايات التي يفتقر إليها الأدب الفلسطيني عموماً؛ إذ بقي جانب العودة لفلسطين عقب اتفاقيات أوسلو غائباً عن حيّز الكتابة، كما تطغى حتى اللحظة كثير من الشعاراتية عند طرقه، بيد أن هذه الرواية تمكّنت من الحديث عن إشكالات تلك العودة تماماً كما هي، بلا تجميل أو تخفيف.
الرواية، التي تقع في 270 صفحة من القطع المتوسط، والتي قدّمها الشاعر والروائي إبراهيم نصر الله، قائلاً أنها "شهادة لواحد من جيل شاب عاد إلى وطنه. حلم كثيراً، وحين وصل لم يجد أحلامه في المكان الذي كان يجب أن تكون فيه، كما لو أن الأحلام أخلفت الموعد مع أصحابها"، كانت ذات لغة تبتعد عن هاجس الاستعراض أو التذاكي على القارئ، بل جاءت بسيطة عفوية مباشرة في مرات كثيرة، بما يتناسب والطرح الذي تقدّمه، من دون مواربة أو تلوين لوجه الحقائق.
يعود قاسم، بطل الرواية، وهو ابن العسكري الفلسطيني المخضرم، لفلسطين، بعد أن أمضى أعوام عمره الثمانية عشر في القاهرة مع عائلته ذات الأم المصرية، ليكتشف حين حلّ على مخيم جباليا أن الضيق يلتهم المشهد برمّته، وبأنه بات معزولا ليس عن العالم الخارجي فحسب، بل وحتى عن باقي مدن فلسطين التي حلم بها كرام الله ونابلس والقدس والناصرة والخليل وحيفا، ليكتشف لاحقاً أن الضيق يلاحق حتى المرحلة الجامعية التي كان يمنّي نفسه بأيام جميلة فيها، كان ذلك حين التحق بجامعة الأزهر، ليكتشف في ظل التشدد الديني في القطاع أنه ممنوع من الاختلاط أو التقرّب من الزميلات كما شأن الجامعات الأخرى.
بأعجوبة تلعب المصادفة بطولتها؛ يلتقي قاسم بحبيبة على شاطئ غزة، ويشعر في لحظات بأنها من يلطّف عليه عيشه النكد في منطقة لا جيران له فيها ولا معارف ولا أماكن للنزهات وبصديق وحيد فقط، لتنضم هي الأخرى لقائمة الخيبات حين تصارحه بأن على العلاقة أن تنقطع؛ لأن أصولها بدوية فيما أصوله هو فلاحية.
صدمة من نوع آخر يدخل البطل في دوّامتها حين يكتشف بأن الفلسطينيين قد عادوا بعد عقود طوال لا ليعيشوا حلم الدولة، بل ليصنفوا بعضهم على أسس ظنّ أنها انقضت منذ أزمنة: فلاح- مدني- بدوي- لاجئ- مواطن- عائد ! فيبات التفكير بالهجرة إلى كندا الهاجس الذي يلاحقه، ويخوض من أجله صراعات مع عائلته؛ مدفوعاً بالرغبة بالخلاص من هذا الواقع الذي ما كان يشبه بمكان ما رسمه في ذهنه طوال سنوات المنفى.
حكايات متفرقة عدة يمرّ بها قاسم حين يقرر العيش في رام الله، المدينة التي ستصبح فيما بعد مركزاً للسلطة الفلسطينية، بمفارقاتها السياسية والاجتماعية، فينتهي به الأمر تارة معلماً وتارة عاملاً في مطاعم وتارة أخرى ينظف مدخل البناية ودرجاتها كما لو أن شهادته الجامعية غير ذات قيمة، لا سيما في ظل الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي أحكمت خناقها على الفلسطينيين اجتماعياً واقتصادياً.
يقول نصر الله "يبدو أثر العزل هنا واضحاً وكاشفاً لكل شيء: التفاصيل وأصحابها؛ وتبدو الحكاية كما لو أنها في ستينيات القرن الماضي، وتبدو الرواية مستجيبة لهذه الخاصية، وكذلك السرد الذي يتحول لصورة من صور البراءة"، مردفاً "فعلاقات الحب والشغف بالجنس الآخر جزء من زمن البراءة الذي لم يعرف أبطال هذه الرواية أنه انقضى إلى غير رجعة، ولكنهم يعيشونه خارج كل التغيرات التي أصابت هذا الكون وأعادت صياغة الهوى وأهله كما أعادت صياغة الأوطان والحروف التي تسطر في مديحها أو هجائها".
