اعتبر الامين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي أن «سيطرة داعش على مدينة تدمر التاريخية تشكل تهديدا خطيرا لأحد اهم المواقع الأثرية والحضارية في العالم، وطالب الجميع بتوفير الحماية اللازمة لها.
ودعا العربي «المجتمع الدولي إلى التحرك السريع واتخاذ ما يلزم من اجراءات لإنقاذ مدينة تدمر الأثرية المدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو».
كما عبر العربي عن قلقه البالغ من حجم الجرائم البشعة التي يرتكبها تنظيم داعش بحق التراث الحضاري والإنساني لهذه المنطقة والذي هو ملك للبشرية جمعاء، ويشكل المس به “جريمة حرب” وخسارة هائلة للتراث الثقافي الإنساني.
موقف العربي من التهديد الذي تتعرض له مدينة تدمر التاريخية العريقة، لا غبار عليه ويستحق التقدير والاحترام. ولأنه موقف مهم، فمن المنطقي أن يطالب المواطن المقدسي والفلسطيني الامين العام للجامعة العربية بموقف شبيه من مدينة القدس التاريخية التي تعتبر ايضا «أحد أهم المواقع الاثرية والحضارية في العالم».
هذه المدينة المحتلة منذ 48 سنة تعرضت ولا تزال تتعرض لتغيير معالم تراثها الحضاري الانساني، من أجل فرض لون واحد عليها وشطب أو تقزيم التعدد الثقافي والحضاري والديني.
ويتعرض سكانها الاصليون لكل انواع التضييق التي تستهدف دفعهم خارج المكان، وهو شكل جديد من التطهير العرقي.
نعم، تتعرض مدينة القدس لكل انواع الانتهاكات (كالحفريات والطرد والتهويد واعتداءات على الممتلكات الثقافية والمباني التاريخية، والتمييز العنصري على اساس الدين والقومية).
هذه المدينة المعذبة تحتاج كما مدينة تدمر إلى إنقاذ، إلى تدخل يضع حدا للانتهاكات القائمة والمحتملة ويصون هويتها التاريخية من عسف المحتلين.
لا يفهم من طرح مدينة القدس على الاجندة العربية والعالمية الآن، وكأنه في مواجهة «تدمر» أو «كوباني» سابقا أو في مواجهة اية مدينة تاريخية عربية وعالمية.
ليس المقصود قطعا صرف الانظار عن «تدمر» وتحويلها نحو القدس. المطلوب إعطاء القدس المنكوبة بأطول احتلال أهمية تعادل الأهمية المخصصة للمدن المهددة الاخرى «كتدمر» الآن، ذلك أن التراث الحضاري والانساني العالمي لا يتجزأ ولا يمكن النظر له بمعايير مزدوجة.
قد يقال إن جامعة الدول العربية لم تُقَصِّر مع المدينة المحتلة، فالقدس بند دائم على جدول أعمال الجامعة تحت عنوان: «دعم صمود القدس والدفاع عن عروبتها».
وجاء الدعم بصورة مئات بل آلاف من القرارات الصادرة عن وزراء الاعلام والثقافة والخارجية والاقتصاد العرب، لكنه – اي الدعم - بقي حبرا على ورق، ولم يطبق قرار واحد.
وبلغة الفيسبوك بقي - لايك – وما اكثر اللايكات التي حصدتها مدينة القدس من الوزراء العرب ومن الوكلاء ايضا. وبناء عليه فإن نخوة الجامعة العربية تجاه مدينة «تدمر» لا تختلف كثيرا عن الإغداق في حب القدس.
كما لا تختلف عن الوعود الهائلة بوقف نزف دماء الشعب السوري. فالجامعة العربية التي التزمت الصمت إزاء الموت والتدمير والتشريد الذي يتعرض له الشعب السوري، تدعو الآن لانقاذ تدمر.
والجامعة العربية التي لم تترجم قراراتها لإنقاذ القدس (كدعم الصحة والتعليم والاسكان والمشاريع المنتجة والترميم بالمستوى الذي يمكن المدينة من الصمود، في مواجهة إغداق المليارات من قبل دولة الاحتلال واصدقائها افرادا ومؤسسات ودولا).
لم تَخُض الجامعة العربية أية معركة سياسية جدية عبر لجنة القدس، ولم تحرك حتى الاجسام التنظيمية المشتركة مع الدول الاسلامية التي تشكلت للدفاع عن القدس كلجنة القدس ومؤتمر القدس - ولا اقول جيش القدس الايراني الذي يقاتل في كل مكان ما عدا القدس -.
ولم تمارس دول الجامعة الضغط الدبلوماسي والاقتصادي على دولة الاحتلال التي انتهكت كل القرارات الدولية والمواثيق والاتفاقات والمعاهدات المعتمدة من الامم المتحدة.
هذه الجامعة وتحديدا الدول النافذة فيها اعلنت حرب (عاصفة الحزم) في اليمن بسبب مصادرة الحوثيين للشرعية اليمنية، وبسب التهديد الايراني لأمن الخليج عبر سلطة الحوثيين.
كم تبدو مكانة القدس ضئيلة لدى النظام الرسمي العربي! وظيفة هذا القول هو حل التناقض بين الاقوال والافعال، وعدم بقاء الأقوال شيئا والأفعال شيئا آخر.
المطلوب اقتران الأقوال بالأفعال، هذا لا يحدث بمعزل عن ارتفاع صوت فلسطيني صريح يقارن استراتيجية اللا شيء العربية لانقاذ المدينة من الاحتلال عن استراتيجية الاحتلال لضم وتهويد وسلخ المدينة.
مطلوب صوت فلسطيني من داخل المدينة، هو صوت الذين يقاومون استراتيجية دولة الاحتلال، الصوت الفلسطيني يحتاج إلى روافع عربية غير رسمية، بحاجة إلى قوى سياسية ترى أن ما يحدث في القدس ليس غلبة دين وهزيمة لدين آخر، بل ترى فيه توسعا كولونياليا يستهدف الهيمنة وقطع الطريق على تحرر الشعوب.
الموقف الفلسطيني يشكل حجر الزاوية في بناء استراتيجية وطنية للدفاع عن القدس، وتغيير الموقف الفلسطيني للأحسن يبدأ بنقد الأداء والسياسات. الوقائع التي صنعها الاحتلال على الأرض طوال 48 عاما تقول: إن دولة الاحتلال تدرس وتخطط وتضع برامج وموازنات وأدوات تنفيذ بما في ذلك اجهزة الأمن ومنظمات الاستيطان. وتضع خطابا سياسيا وإعلاميا وايديولوجيا للداخل والخارج. تقرن الاقوال بالافعال والتطبيقات، وتعمل على تفكيك المجتمع المقدسي وعلى تبديد عناصر قوته وضعضعة صموده، وعلى إفشال كل اشكال مقاومته.
مقابل ذلك: فإن المرجعية الفلسطينية (منظمة وسلطة ومعارضة واحزابا وتنظيمات) تفتقد الى استراتيجية وخطط موحدة ومنفردة، وتعتمد على سياسة الارتجال ورد الفعل.
الموازنة المخصصة للقدس هزيلة، ولا توجد محاولات جادة لتطوير صندوق القدس. على سبيل المثال (موازنة حقيبة القدس التشغيلية في السلطة تعادل موازنة اية وزارة اخرى، وهذا يعكس هامشية القدس في الاجندة الفلسطينية من الناحية العملية).
والخطاب الاعلامي حول القدس يقتصر على عرض الخطط الاسرائيلية القريبة والبعيدة، وعلى استعراض ما تفعله اسرائيل من قمع وهدم واستيطان واعتقال وقتل، ويهيأ للمستمع والقارئ الذي يسمع الخطاب الاعلامي والسياسي الفلسطيني أنه تكرار ممل لما سمعه المواطن قبل 5 او 10، او 20 عاما ولا فرق بين ما تسمعه اليوم وما سمعته بالامس إلا في درجة التهويل الذي يؤدي إلى نتيجة واحدة هي الاحباط.
لا يوجد في الخطاب الاعلامي والسياسي حيز للفعل الايجابي، لقصة نجاح ومبادرة، أو لعناصر القوة، لا يوجد نقد موضوعي للتلاعب والتقصير والاستخدام والفشل، لا يوجد تقييم لدور التنظيمات والمؤسسات والحكومة والوزارات والأطقم. يتبع
[email protected]
القدس بين استراتيجيتين
تاريخ النشر : 2015-05-26 09:20
