بقلم – رانيا الجعبري:
غالبا ما تتيح لك الوحدة، حتى ولو كانت لساعة واحدة فقط، فرصة رؤية الاشياء كما تكون أقرب إلى الحقيقة، فتزيح ستارة الزيف عن مرآتك، من أنا؟ أنا لست صحافية تجيد متابعة مواضيعها، أو تقرأ جيداً قبل أن تسأل، هذا كذب. ولست قاصة مهمومة بأدوات القص والبحث فيما وصل إليه الكتاب اليوم لأنجز مشروعي، هذا كذب أيضاً
أنا أنثى، حظي السيء جعل والدتي تنجبني في العام 1980، في عز الخيبات العربية، كنت قد بدأت المشي يوم دخل الصهاينة بيروت، وبدأت كتابة الحروف والكلمات في المدرسة مع انطلاقة انتفاضة الحجر، وبدأ والدي ينهاني عن لبس الشورت القصير بُعيد انهيار الاتحاد السوفييتي، وبدأت أكتب النصوص الأدبية رسميا يوم مجزرة الحرم الابراهيمي، وأول مرة نبض فيها قلبي إثر نظرة كانت في العام 1994 تزامنا مع عملية على حاجز ايريز في فلسطين، وأحببت حنا مينة ورغبت في قراءته اثر لقاء معه على خلفية مجزرة قانا 1996. وقبل 10 سنوات من ميلادي، كان الأعراب وأمريكا يخططون للنيل من الاتحاد السوفييتي عبر تغذية التطرف في بلادي. لماذا أعود للكذب؟ كانت الرأسمالية والشركات تسعى للنيل من النموذج الاقتصادي الذي يهدد وجودها، فكانت الاشتراكية بِعَدلها تهدد المطامع، يومها استعانوا بالأديان ليواجهوا الاشتراكية، لو كنت اعلم أنني سأرتدي الحجاب عنوة وسأحيا في أجواء التطرف الديني الخانق الذي يحب الاهل أن يسموه “الدين المعتدل” فقط لأن الاعراب وأمريكا استخدموا الاسلام للنيل من الاشتراكية لكنت أكثر إلحاحاً على الموت يوم مولدي، لكنني لم ادرك الحقيقة إلا في السنوات الاخيرة
إنما أنا أنثى رفض الله الاستجابة لرغبتها الموت ورفضها للحليب لحكمة ما، فألقاها كما اتفق على أعتاب المراهقة بعيد انهيار الاتحاد السوفييتي، وبعيد عودة الجميع إلى رحاب الله، ولست أعلم إن كانت مصادفة أم أن الله يقف مع الرأسمالية والشركات حقاً عندما كان شهر رمضان قصيرا غير منهك للصائم تزامنا مع الناس العائدين من القومية والاشتراكية والهمالة الفارغة من أي فكر أحياناً إلى دين الله. اذ كان يأتي شهر رمضان في فصل الربيع والشتاء والخريف، حينها تمكن الجميع من العودة إلى رحاب الخالق بسرعة وسلاسة؛ السكير والسرسري ومدعي التدين ومحب السلطة وضعيف الايمان بقوميته واشتراكيته، ولعلّة خلقها الله فينا، تجد ان من يكمل صيام شهر رمضان يفتح الله له أبواب الافتاء وفقه الدين، وما الصعب في ذلك مادام مزاج الناس مع الحكم الشرعي المتطرف، الأمر في منتهى السهولة عليك الإجابة عن أي سؤال فقهي بكلمة واحدة تختصر كل شيء وهي: حرام
وأنا أنثى، بدأت أكتشف جسدي وقلبي ومشاعري على إيقاع التطرف الذي يكتسح عالماً بأكمله، أتوه بين حياة رحبة تناديني وأملك لأجلها الشباب وعنفوانه وبين مخاوف من الشجاع الاقرع الاذي يتربصني في قبري ومخاوفي من الله ذلك الخالق الذي سيعاقبني على كل متعة
مرة أقرأ لعبد الحليم عبدالله وسعدالله ونوس وحنا مينة والمتنبي وابن زيدون وامرىء القيس ومرة أقرأ الأربعين نووية والسيرة النبوية بعيون متطرفة، فكانت الكتابة ملجأي، إليها أهرب من مجتمع يدين بالحرام. وكل ما في الكتابة حلال، حتى نقاش الله، حلال! هي أرضي الواسعة وهي حبيبي الذي ما خذلني يوماً وما ضن علي بالاهتمام.
وأنا أحلم على الورق، أصبحت قاصة وبالصدفة أصبحت صحافية، وقبل أعوام وجدتني أقاتل هناك في ساحات الوعي وأنهش في قلمي التطرف وعباءة الاسلام المعتدل التي يتسربل فيها الاعداء ليشكلوا لي قناعاتي وخيباتي أيضا
أحيانا وحينما يتعب قلمي ويتركني بلا كلمات، أستعيد أحلام المراهقة، وأفكر، حتى لو كنت الآن بين أربعة جدران، فإنه يمكنني أن احارب داعش، أرتدي ثيابا أحبها، أتزين، وأبدأ بالرقص، شيئاً فشيئاً أخرج من أبواب ذاتي، ودوامة الرقص تحملني من فكرة لأخرى، كما الكتابة! أبدأ باستعادة الأخبار، وأسخر من كل الاخبار التي توحي للناس بأن داعش إنما هي عدوة لأمريكا وحلفائها، أتخيل أن الجميع يراني، وكما تهزأ الكلمات بالعدو كذلك يمكن للجسد النحيل أن يهزأ وأن يدور ويدور ويطرد منه كل معتقد لم يكن إلا خنجراً في قلب أمتي العربية
عن مدونة الكاتبة "اسئلة مجنونة".
https://as2lehmajnoneh.wordpress.com
