بين الإعدام وهزيمة الفكر بون شاسع
تاريخ النشر : 2015-05-19 14:48

صدر الحكم بإعدام قيادات الإخوان المسلمين بما في ذلك الرئيس السابق محمد مرسي، في قضية التخابر والهروب من سجن وادي النطرون، وتم إحالة أوراق القضية الى مفتي الجمهورية شوقي علام للنظر في جانبها الديني. هذا الحكم الصاعق يأتي امتداداً للصراع المحتدم بين تنظيم الإخوان المسلمين ونظام السيسي والحكومة المصرية منذ 30 يونيو 2013 لكنه سيدفعه الى الذروة. سيكون يوم النطق بالحكم في الثاني من حزيران القادم نقطة التحول الدراماتيكية في مسار الصراع. فإذا اعتمد الحكم بالإعدام وجرى التنفيذ العملي له، ستغلق كل الأبواب أمام احتمال اندماج وشراكة الإخوان المسلمين في النظام المصري، على الأقل في المدى الراهن والمتوسط. قد يحدث التراجع عن حكم الإعدام في المحطتين القادمتين تثبيت الحكم والطعن أمام محكمة النقض. التراجع احتمال له حظ اكبر، وفي حالة حدوثه، هل ستخف حدة الصراع ويتم الانتقال من مرحلة العنف الى الحوار، من نقد السلاح إلى سلاح النقد؟ 
ضد الإعدام كعقوبة من ناحية مبدئية، مهما كانت التهمة كبيرة، وضد قرار المحكمة المصرية بإعدام الرئيس السابق محمد مرسي وقيادات من الإخوان المسلمين وأعضاء من حركة حماس وحزب الله. ذلك أن قتل الإنسان كعقوبة ليس له من وظيفة رادعة كما تقول كل التجارب التي يطبق فيها قانون الإعدام. لقد تطور القانون الإنساني مع تطور المجتمعات والثقافات والعلوم ومنظومة القيم والأخلاق، وأصبح بمقدور الدولة ان تعالج الانتهاكات والمخالفات الكبيرة والفاحشة بعقوبات اكثر فعالية وجدوى للمخالفين القائمين والمحتملين، بأن يدفعوا ثمن أفعالهم حريتهم بدلا من حياتهم، وان يقدموا الجزء الأكبر من ثمن أفعالهم للمجتمع والصالح العام. وبهذا النوع من العقوبات تدافع الدولة عن العدالة وتقدم للمجتمع نماذج وأساليب متحضرة غير القتل والثأر والانتقام. تستطيع الدولة ان تفكك وتهزم منطق المعتدي على حقوق الغير والحق العام وهزيمة منطق المعتدي سيكون أبلغ وأقوى. 
التهم المقدمة من جهة أُخرى وهي "التخابر واقتحام السجن والفرار منه"، لا تستحق أعلى عقوبة وهي الإعدام، لأن الفرار والتخابر جاء لحظة ثورة الشعب المصري ضد حكم مبارك، وكان المتهمون مع الشعب والجيش والقوى السياسية ضد الحكم الذي تم إسقاطه، وقد شاركوا في الثورة ضد النظام وترشح المتهم الاول د. مرسي لانتخابات الرئاسة ولم تعترض لجنة الانتخابات المركزية ولا أية جهة على ترشحه على خلفية ارتكابه مخالفات. وإذا كانت هذه التهم لا تستحق أعلى عقوبة، فهل هناك ربط بينها وبين تهم لاحقة، وفي هذه الحالة لماذا يتم تجزيء القضايا والتهم ؟ لماذا لا تطرح كل القضايا رزمة واحدة؟ أما بالنسبة للتهم الخاصة بحركة حماس، فإن ثمة حاجة لتدخل المرجعية الفلسطينية (م.ت.ف) في كل التهم الموجهة الى فلسطينيين على قاعدة احترام السيادة والقانون المصري، ومن أجل التماس حقوق المتهمين في الدفاع وفي توخي العدالة وفي تصويب العلاقة مع الأشقاء المصريين. 
ما تقدم من تعليق على قرارات القضاء المصري بشأن قضية "التخابر والفرار" هو مجرد رأي لا ينطوي على تدخل في الشؤون الداخلية المصرية، وقول الرأي والنقد ينبع من الحرص على نجاح مصر وصمودها أمام التحديات الكبيرة وبخاصة تحدي الديمقراطية، لأن تقدم ونجاح مصر سيؤثر على عموم المنطقة والعكس صحيح. 
عندما ابرم الرئيس السادات اتفاقات كامب ديفيد وأنهى حالة الحرب مع إسرائيل، كان المبرر تحويل نفقات مصر الهائلة التي استنزفت طاقاتها في الحرب الى التنمية البشرية الاقتصادية. لكن هذا لم يحدث لأسباب عديدة أهمها. اولا : اتفاق كامب ديفيد كرس علاقات التبعية السياسية والاقتصادية والأمنية التي ساهمت في إضعاف مصر بوتائر متسارعة. ثانيا : اعتماد نظام الاقتصاد النيو ليبرالي الذي تشابك مع فساد النظام واستبداده وديكتاتوريته وإبرامه الصفقات مع الرأسمالية الطفيلية ووكلاء الشركات الاحتكارية والمضاربين والاستثمار في مجالات غير منتجة، ما أدى الى سيادة نوع من تقسيم العمل الظالم الذي اصبح فيه: "الأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقرا". ثالثا : غزو الفكر الوهابي التكفيري لمصر الدولة والشعب بالاستناد الى مؤسسات الإسلام السياسي التي أُسِسَت قبل الغزو. لقد ساهمت العوامل الثلاثة في إضعاف مصر سياسيا واقتصاديا وعسكريا وتهميش دورها العربي والإقليمي. 
 كان غزو العقول وتعبئتها بفكر تعصبي هو الأصعب والأخطر، لأنه أدى الى استلاب الإنسان المصري وإخراجه من كل الأدوار الإيجابية، ما عدا معادلة التحريم والترهيب والابتزاز ومراقبة النساء، ما عدا الاستخدام من قبل المنظمات الدينية الأصولية المدعومة بأموال البترو دولار بلا حدود. كان الإخوان جزءا من الغزو استقبالا ونشرا وفكرا . ثورة الشعب المصري، اشتبكت مع أسباب تراجع وتأخر مصر بشكل وبآخر وحققت بعض الإنجازات والاختراقات، لكن الاشتباك مع الفكر الديني التعصبي وفي مركزه فكر الإخوان كان الأضعف. اقتصرت المعركة مع الإخوان على الجانب الأمني ويتم طرح الحل الأمني باعتباره هو الحل الحاسم. في الوقت الذي يستمر فيه الفكر الديني التعصبي والثقافة التكفيرية يفعلان فعلهما داخل المجتمع. وطالما لم يُفَككا ولم يهزما فإنهما سيعيدان انتاج الأصوليين المحاربين وسيستمران في السيطرة على العقول. وعندئذ لا قيمة للحل الأمني، ولا للعقوبات المشددة كما في أحكام الإعدام. المعركة الجدية والحاسمة هي معركة هزيمة الفكر السلفي التكفيري. هذه المعركة أنيطت بمؤسسة الأزهر لكنها لم تفعل شيئا، بالعكس كان إنجاز الأزهر الكبير! هو إسكات صوت المفكر الشجاع إسلام بحيري! الذي كان يفكك الخطاب الديني الأصولي ويعيد الاعتبار للعقل. اتهمه الأزهر بانه يهدم ثوابت الدين! ومنع برنامجه وحواره العميق مع الشباب، علما أن الأزهر لم يحرك ساكنا طوال 12 عاما من الإرهاب الفكري الذي مارسته الفضائيات الأصولية، ولم يتصد للخطاب الديني التكفيري الذي كان ينطلق من المساجد. موقف الأزهر السلبي يعود الى اشتراكه مع الفكر الديني التكفيري وينتمي للمدرسة ذاتها مع انه يختلف في التفاصيل ولا يستطيع إغضاب الدولة. 
أمام عجز مؤسسة الأزهر، وكبح كل محاولة نقدية جادة، كما حدث مع برنامج باسم يوسف، وبرنامج "مع إسلام بحيري"، فإن هذه المهمة لن تقلع بمعزل عن عقول متحررة ومنفتحة تتولى طرح فكر وإيصاله للسواد الأعظم من الناس، ووضع مناهج تعليم جديدة، ودستور جديد نابع من الحاجة والضرورة وليس توافقا بين أفكار متناقضة. 
[email protected]