رسالة إلى مريد البرغوثي: لماذا فازت “الطلياني” بالبوكر؟
تاريخ النشر : 2015-05-18 23:14

بقلم - آلاء السوسي

أستاذنا الشاعر: مريد البرغوثي،

تحية طيبة، وبعد..

كمهتمَّةٍ بالأدب، وكقارئة للرواية، قبل أن أكون صحفية تكتب أسبوعيًا في زاوية أدبية، أتخذ هذه المساحة الممنوحة لي، وأحولها إلى (استثناء)، لأوجه لسيادتكم، وقد كنتم في رئاسة لجنة تحكيم البوكر هذا العام، هذا السؤال، ومن ثمَّ الرسالة: لماذا فازت “الطلياني” بجائزة البوكر؟

قد يبدو هذا السؤال مطالبة بالتبرير، أو التوضيح، وهو ما لا يليق؛ إذ نحن على ثقة بكم، ولكن هناك ما يمكن أن تقوله قارئة روايات، فهل يمكن أن تقبل الرسالة؟

سيرة ذاتية خجولة

على عكس “محمد شكري” صاحب “الخبز الحافي”، يبدو “شكري المبخوت” أقل جرأة على كتابة سيرة بدلًا من رواية، ويبدو أنه فضَّل (بمراوغةٍ مكشوفة) أن يكتب بعض الأحداث والشخصيات التي عاصرها في قالبٍ تخييلي، هذا بالتأكيد لا يعني أنه لم يبنِ حبكته التخيلية -خاصته-، أو أن أحداث الرواية حقيقة خالصة بنسبة 100%، لكنها -وبما لا يخفى على قارئ متوسط الذكاء- تنتمي لكاتبها بشكلٍ أو بآخر، سواء أكانت أحداثها وليدة تجربته الذاتية أو تجارب الآخرين المحيطين، أو حتى وليدة أحلام يقظته، لكنها في النهاية تعكس مركزية المؤلف الذي يكاد لا يفارق 70% من تفصيلات الرواية.

قد يبدو هذا الاعتراض غير مقبول؛ إذ إن الرواية في النهاية بنت مؤلفها، لكنَّ هذا الحضور الثقيل للمؤلف، وتطابق الكثير من التفصيلات مع محيط حياته بصفته رئيس جامعة، ورئيس تحرير عدة مجلات وصحف ذي ميول ليبرالية، تجعل الرواية ليست الشكل الأفضل، أو قل إنها تبدو مجرد مذكرات يريد صاحبها التخفف منها بإلصاقها بتجربةٍ تخييليه.

صحيحٌ أن الكاتب لن يخرج من واقعه، لكن دعنا نتذكر معًا مقولة “يوسا” في رسائله للروائي الشاب: “الرواية الناجحة هي التي تبدأ من الواقع ولا تنتهي إليه”، رواية “الطلياني” درات في هذه الحلقة المفرغة؛ فبدأت من الواقع ثم انتهت إليه.

رواية المسكوت عنه

 “مهما كان المحتوى صادمًا أو خارجًا عن المسلمات، ومهما كان الشكل مغامرًا سنحتفى به بل نتمناه، على أن تكون عناصر إقناعنا به كامنةً فيه لا فينا نحن“. كان هذا واحدًا من معايير التقييم حسب خطابكم في حفل إعلان الجائزة، فلننظر إلى رواية الطلياني من هذا المنظور:

على مستوى الشكل، لم تحقق رواية “الطلياني” أية انتهاكات؛ بل بدت رواية تقليدية خالصة، تتبع تنامي الزمن، وتطوراته، والأصوات موحدة، بلا أية التباسات، والحوارات واضحة، منظور الرؤى واحدي، واللغة بسيطة غير معقدة ولا شاعرية، تقع في فخ “الصحافة التقريرية أو الخطاب التنظيري” أحيانًا.

ولكن، الأخطر هو اختيار “الراوي” الذي شكَّل انزلاقًا سرديًا واضحًا؛ فالراوي هو صديق البطل، ولكنه يعلم أدق تفصيلات حياته، حتى سلوكه في غرفة النوم مع زوجته، وهو ما بدا غير منطقيٍّ بالمرة، والأسوأ أن هذا الصديق لا يؤدي أي دورٍ فاعلٍ في الرواية؛ بل لا يظهر صوته الشخصي إلا مراتٍ معدودة بتعليقات سطحية، وربما كان الأولى اختيار شكل “الراوي العليم” ليبدو الأمر منطقيًا.

أما في إطار المحتوى؛ فإن الرواية تقصُّ حياة البطل الشاب اليساري “عبد الناصر”، ومسيرته في النضال الطلابي في ظل نظام بورقيبة، ومن ثم انحدار الحياة به إلى طريق صحافة السلطة ليعمل صحفيًا قبل وبعد انقلاب زين العابدين بن علي، وخلال هذه الحياة الشخصية نرى التقلبات السياسية والاجتماعية التي اعترت المجتمع التونسي في هذه الفترة.

كل هذا قد يبدو عاديًا؛ فالكثيرون ممن عايشوا الأنظمة المتسلطة بدؤوا بالكتابة عنها بعد خلعها، لكن المثير في الرواية هو ما يعتقد المبخوت أنه به قد كسر”التابوهات”، وكشف المستور، وتحدث بالمسكوت عنه، فتحدث عن المرأة ودافع عنها؛ بل إنه أهداها فوزه بالبوكر، حتى لّيُظنُّ أنها رواية نسوية لشدة ما ناقشت قضايا المرأة التونسية من وجهة “حقوقية”.. ولكن ما هو هذا المسكوت عنه؟

المسكوت عنه أن المجتمع التونسي في هذه الرواية ظهر بكامله ككتلة من الأشخاص المصابين بعصاب جنسي؛ فالشخصيات كالتالي: زينة مغتصبة من أخيها أو أبيها أو شخص مجهول منذ الصغر، عبد الناصر تعرض لمحاولة اغتصاب من الشيخ علالة، نجلاء عانت من طليقها في حياتها الزوجية، للا جنينة تحب الأطفال في سن المراهقة، الشيخ علالة يحب الأطفال الذكور، الحلَّاقة حلقة وصل بين النساء ورجال السلطة، ريم تقع في حب الطلياني من أول مرة، وتقبِّله في أول لقاء؛ ستشعر خلال قراءتك لهذه الرواية أن جزءًا لا بأس به منها قد كتب في غرفة نوم بستائر منسدلة إلى جانب زجاجتي فودكا، بيرة، نبيذ أحمر (كل هذه الأصناف المذكورة بالرواية)، يمكن النظر إلى الصفحات (224- 225-226) كنموذج.

هل هذا حقًا هو “المسكوت عنه”، أو “المحتوى الصادم” الذي تبحث عنه الرواية العربية؟

للأسف لقد ولَّى عهد “لوليتا”، و”الروايات الممنوعة من النشر لأسباب أخلاقية”، الأفلام الإباحية والمجلات والمسلسلات والأفلام تقوم بالمهمة على أكمل وجه، لم يعد “الجسد” ومغامراته من ضمن المسكوت عنه (لمن يبحثون عنه)، هناك الكثير من “الممنوع من العرض” في هذا العالم.

ولكي نفهم ما نوع المحتوى الذي قدمته الطلياني، دعونا نقرأ ما قاله شكري المبخوت في حوارٍ هامشيٍّ مع خالد الحروب “تابع (المبخوت) في حديث ممتع، جاءته صبايا تونسيات كثيرات يسألنه أين هو عبد الناصر وكيف يمكن أن يعثرن عليه. يردن التعرف إليه، حضنه، وتقبيله. قال لشابة يافعة، لكن عبد الناصر، وهو من صنع خيالي، سيكون بعمر والدك لو وُجد الآن. أجابته لا يهم فلقد عشقته. رد عليها، لكن خان زوجته مع صديقتها، ردت عليه لا يهم لقد عشقته”.

“الحقد” حين يتحول إلى “أدب”

هل تتحول وظيفة الأدب إلى منظِّر أيديولوجي يناقش قضايا حزبية؟، يقول المبخوت في حوار مع مليكة كركود: “كل هذا دفعني للتساؤل والبحث لماذا اليساريون والحداثيون لم يتمكنوا من توجيه وقيادة هذه الثورة، لماذا تركوها وحدها أمام مصيرها في وقت كانت فيه في أشد الحاجة إليهم؟”، هذا يبدو تساؤلًا جيدًا لو تمَّ طرحه لورقة بحثية، لكنه لا يمكن أن يكون سؤالًا روائيًا، إن أخلاقية الرواية ليست في “المحاكمات” الأيديولوجية، بقدر ما هي في الكشف عن جوهر المعضلة الإنسانية بكافة تمظهراتها، فكما يقول إيكو الرواية هي فن “سرد ما لا يمكن تنظيره”.

والسؤال المطروح أعلاه إجابته تنظيرية لا شك، وهو ما وقعت به الرواية التي تنّظِّر “للحرية الفردية”، المتمثلة في “حرية الجسد” أولًا، وتناهض قمع ديكتاتورية بورقيبة زين العابدين، وبدرجة أكثر توجسًا تناهض الإسلاميين، و”الإسلام السياسي” على اعتباره “شيطانًا” يجب التخوف منه، ويكفي أن نقرأ هذه الفقرة لنعرف كم كانت الرواية مفعمة بروح “الحقد” الطائش الذي يتنافى مع أخلاقية الرواية: “هذا يعني أن النظام بدأت تنخره سوسة الإسلاميين من الداخل“، “اعتبر عبد الناصر الإخوانجية بمثابة عفريت الذي كسر قمقمًا توهم حزب الدستور أنه وضعه فيه“، وفي مشهد اعتقال الشرطة لطلبة الجامعة من ذوي التوجه الإسلامي، يتناسى المبخوت عشرات الطلبة الإسلاميين الواقعين تحت عصوات شرطة بورقيبة، ويخصص المشهد للحديث عن زينة وقبلاتها الحارة لعبد الناصر تحت طيش الركلات، هل هذه هي الحرية إذن؟

إن هؤلاء المثقفين أنفسهم هم الذين سيؤيدون في النهاية أي عنفٍ تجاه الإسلاميين، سيولِّد بدوره عنفًا آخر؛ لأننا غير قادرين على التحرر من الحقد، والعمى الأيديولوجي.

لم أقرأ فقرة واحدة مرتين:

“الأفكار الجاهزة التي يقدمها الروائيون والروائيات تظل عارية مهما اكتست من صحة ونبل، وهي عبء يأخذ من العمل ولا يضيف إليه. الرواية ليست قاعة محاضرات“.

كان هذا معيارًا آخر من معايير التقييم، وهذه الرواية تقول كل شيء لك، ولا تتركك في فسحةٍ لتراجع فقرةً واحدة مرتين، ولا تجعلك حتى تفكر إن كانت تحتاج قراءة ثانية، قراءة واحدة وأنت تحتسي كوبًا من الشاي خلال بضع ساعات ستكفي لتقرأ الرواية وتغلقها وأنت تشعر أن كل ما يمكن قراءته قد قرئ بالفعل.

لقد خلقت الرواية عالمًا، هذا ما لا شكَّ فيه، ولكنه عالم يمكن أن يوجد في أية رواية تقليدية، كل ما يمكن أن تناقشه هو تنظيرات عبد الناصر أو سي عبد الحميد عن الإسلام السياسي، إنها تنظيرات متسلطة، ومهيمنة، في ظل غياب الآخر (الإسلامي) المنفي.

يقول كونديرا: “يتمنى الإنسان عالمًا يمكن فيه تمييز الخير والشر بوضوح كامل؛ لأن في أعماقه لرغبة فطرية لا فكاك منها في الحكم على الأمور قبل فهمه. على هذه الرغبة قامت الأديان والأيديولجيات. إنها لا يمكن أن تتصالح مع الرواية“.

“إن روح الرواية هي روح التعقيد، كل رواية تقول للقارئ: إن الأشياء أكثر تعقيدًا مما تظن“.

وهذا ما عملت رواية الطلياني على قلبه، من خلال تبسيط الحياة إلى ثنائيات، والتعامل مع تناقضات المجتمع على أنها خطأ يجب تصحيحه، من خلال حكمة الرواية التي يفرضها المؤلف على القارئ من علٍ.

في النهاية، أعيد تكرار هذا السؤال: لماذا فازت “الطلياني” بجائزة رسالة إلى مريد البرغوثي: لماذا فازت “الطلياني” بالبوكر؟