أغلب الأخبار متركزة في هذه الأيام حول موضوعين مهمين، الأول قديم حديث يتعلق بالملف الفلسطيني الداخلي ومسلسل المصالحة، والثاني يتصل بالزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي باراك أوباما إلى المنطقة، قاصداً بذلك إحياء عملية السلام المتعثرة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي.
ثمة من يربط تباطؤ ملف المصالحة بزيارة أوباما القريبة ومساعيه إلى جانب وزير الخارجية الجديد، في الدفع قدماً باتجاه مطالبة طرفي الصراع استكمال المفاوضات التي توقفت منذ مدة لعدة أسباب أهمها مواصلة إسرائيل بناء المستوطنات في الضفة الغربية.
دعونا نتفق قبل كل شيء، على أن المصالحة الداخلية تشبه في قصتها وعمرها المسلسلات المكسيكية الدرامية، فإلى اللحظة نسمع فقط اجتماعات مهمة تعقد جماعياً خارج الوطن بمشاركة فصائل الصراع وبمشاركة كبار القيادات، في حين تحظى اللقاءات والاجتماعات في الداخل بمستوى أقل من هذا التمثيل.
نفهم أن الانقسام ملعون ويثير الضغينة والشكوك وعدم الثقة بين مختلف الأطراف، لكن لا ينبغي استيعاب أن هذا العمر الطويل من الافتراق والخلاف يؤدي بالأطراف إلى الخروج من فلسطين حتى ينعقد الحوار، أو الاحتماء بأي غطاء عربي لتمرير المصالحة.
إن على القيادات الفلسطينية أن تدرك أن أي محاولات تستهدف مصالحتها نفسها، ينبغي أن يسبقها مصالحة الشعب في طريقين، الأول أن تصالح شعبها لأن هناك أزمة ثقة شعبية تجاه هذه القيادات، هذا فضلاً عن ضرورة مصالحة الشعب مع نفسه.
لقد خلق الانقسام الداخلي عداوات كبيرة وعميقة، وهي عامودية وأفقية، تنسحب على القيادة كما تنسحب على الشعب وعلى كامل قواه الحية، ولذلك كل تأخر في الوصول إلى مصالحة حقيقية من شأنه أن يعمق الانقسام، والأهم أنه سيؤثر بقوة على مستقبل القيادات الفلسطينية الحاضرة.
لقد جرى في الأيام الماضية انعقاد أكثر من اجتماع في العاصمة المصرية، وبرعاية المؤسسة الرسمية هناك، لتعزيز المصالحة وإجراء انتخابات مجلس وطني جديد، والذي يبدو أن هناك خلاف ما يزال حاضراً حوله فيما يتعلق باعتماد النسبية الكاملة أو أغلبية نسبية والباقي دوائر.
والخلاف ليس مرهون فقط في شكل الانتخابات، بل حتى في توقيتها، ذلك أن الرئيس يفضل إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني بعد ثلاثة أشهر من جاهزية لجنة الانتخابات للقيام بالدور المطلوب منها.
الحقيقة الله "يعين" القيادات على هذا النوع من الحوار حول قضايا داخلية صعبة جداً، ذلك أن النقاش لا يتعلق في موضوع أو مسار واحد، إنما في موضوعات كثيرة مختلف على جزء كبير منها، ذلك أن كل مسار مرتبط بمسار آخر، وأي مشكلة تتعثر في واحدة من المسارات من شأنها أن تضرب باقي الملفات.
وبالتجربة حينما يتوصل أطراف الحوار إلى نقطة مفصلية بشأن مغادرة الانقسام، تعود الأمور إلى نقطة الصفر من جديد، ويصبح الحوار مرتبطاً بقواعد اللعبة المتعلقة إما بالموقع الجديد لكل فصيل على الساحة الفلسطينية، أو المستجدات العربية والإقليمية والدولية.
وفي حقيقة الأمر، كان أفضل وقت لإنجاز المصالحة هو في حالة الانتصار والشعور بالنشوة عند الكثير من الجماهير الفلسطينية، التي فرحت بصمود غزة في واقعة "عامود السحاب"، وفرحت بالتوجه الفلسطيني إلى الأمم المتحدة، رغم كل الضغوطات الأميركية والإسرائيلية، لكن مع الأسف لم يجر استثمار مثل هذه الفرصة.
ولأننا لا نجيد اقتناص الفرصة، ضاعت فرصة إنجاز الحوار، مع أن المجموع الفلسطيني تهيأ لاستقبال هذا الخبر بقلوب صافية ومفتوحة. أما وأن يتم استهلاك المزيد من الوقت وتعود الاجتماعات للانعقاد بلا فائدة وإنجاز ملموس، فإن ذلك حتماً يؤثر على المزاج العام.
لاحظوا أن كل وصول إلى شبه اتفاق، يجري تعطيله بإرادة أطراف الصراع، فعلى سبيل المثال، هناك اجتماع مرتقب لكل من فتح وحماس، حول تشكيل الحكومة، وفور تحديث السجل الانتخابي سيصدر الرئيس محمود عباس مرسومين بشأن تشكيل الحكومة وإجراء الانتخابات.
هذا التصريح الصادر عن الرئيس وقيادات في فتح، تزامن مع تصريح آخر أطلقه موسى أبو مرزوق، نائب رئيس المكتب السياسي في حماس، الذي أقر باعتقال السلطة الفلسطينية كوادر حمساوية بتهمة مخالفة القانون والقيام بنشاطات عسكرية.
أبو مرزوق قال على حسابه في "الفيسبوك"، إن مثل هذا العمل يصعب إجراء الانتخابات، وهو لم يقصد فقط تلك الاعتقالات التي تقوم بها السلطة ضد أفراد حماس، وإنما أيضاً الاعتقالات التي يقوم بها الاحتلال بحق هؤلاء الكادرات.
المقصود من كل هذا، أن لكل طرف حسبته ورؤيته لإنهاء الانقسام، وأيضاً هناك ذرائع وهي كثيرة ويسهل استدعاءها من "الجوارير" حين لا يرغب أي طرف في تمرير مصالحة لا تحقق نتائج مهمة في ميزانه، وخير دليل على ذلك، تجربة اتفاق مكة، واتفاق القاهرة واتفاق الدوحة، والكثير من الاجتماعات التي لم تحقق شيئاً ملموساً يذكر على أجندة المصالحة الداخلية.
الآن بنظرنا لم يعد مهماً الاتفاق أو الاختلاف، لأن النهاية حتماً لابد أن تكون سعيدة، إنما كيف سيحصل هذا فذلك عائد على "الإخوة الأعداء"، لكن الأهم من الاتفاق هو الاحتكام إلى صناديق الاقتراع والتسليم بنتائج الانتخابات، فهذه وحدها من يضمن سلامة الوضع الداخلي.
نقول ذلك لأنه ينبغي مراجعة تجربة الانتخابات الأخيرة عام 2006، كما ينبغي دراسة كل الاتفاقات الفصائلية التي جرى فيها التصالح خارج فلسطين، ولم يجر التسامح في الداخل، وبقيت "الطوشة مولعة" بين الفرقاء.
المطلوب سريعاً والآن، تشكيل إطار موحد يجمع المستقلين ومؤسسات المجتمع المدني وباقي الفصائل، يكون قادراً على التأثير في الأطراف المتصارعة وملتصق بالشعب، ويستهدف في خارطته التأكيد على ضرورة إجراء الانتخابات والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، لأنها وحدها من توقف مهزلة الاقتتال.
هناك الكثير من السماسرة والمتربصين بوحدة قضيتنا وصفنا الداخلي، وهؤلاء يعملون بقوة مثل جماعات الضغط، من أجل إفشال المصالحة، لأن مصائب قوم عند قوم فوائد، وتنطبق عليهم هذه المقولة بحذافيرها.
هذه دعوة لأصحاب الضمائر الحية من أجل بذل كل الجهد في سبيل تطويق هذا الخلاف الذي أفسد علينا حياتنا، ووضعنا في مواقف محرجة مع أنفسنا ومع أصدقائنا العرب. علينا وضع حد لهذه المشكلة الداخلية، لأنها حقيقةً أهم من المفاوضات مع إسرائيل وأهم حتى من المقاومة، طالما وأنها وقودها وشعلتها.
