غزة –نوى-حنين حمدونة:
لم يجد أطفال عائلة عبد العال الأربعة سوى باحة من تراب تحيط منزلهم الصفيح للعب، فلا راحة لأطفال في منزل جدرانه وسقفه بالكامل عبارة عن ألواح من الصفيح (زينكو)، وأرضه تراب تجاهد الأم طوال النهار لتنظيفه، ومع ذلك لم يسلموا من المرض.
في مقابلة مع نوى تقول نجلاء عبد العال :"أفضّل الموت على الحياة في بيت كهذا، كلنا أصابنا مرض الكبد الوبائي بسببه وحياتنا شقاء لا ينتهي".
تعيش أسرة الزوجة الثلاثينية نجلاء في منطقة تسمى حي الزينكو، تقع في بلدة العطاطرة شمال غرب قطاع غزة، وهو حي يسكنه غالبية من مواطنين دفعتهم ظروف الفقر الشديد وفقدان المأوى لصنع بيوت من الصفيح والعيش فيها بظروف إنسانية وصحية بائسة.
بعصبية وحزن تحكي نجلاء قصة لجوئهم لهذا المكان :"قبل خمس سنوات طردنا صاحب المنزل المستأجر لانكسار الإيجار، فاشترى زوجي بيتاً هنا هدمته الحكومة على أثاثه لأني مبنىّ على أرض حكومية، ثم لجأنا لبنائه من الصفيح".
عانت نجلاء خلال السنوات الخمس هدم منزلها لثلاث مرات من قبل بلدية بيت لاهيا، ما جعل حياتهم معرضة للتشرد الدائم، أما طفلها الذي لم يتجاوز العاشرة من العمر، فمع كل إقبال صيف يصاب بالحمى الشوكية لعدة مرات بسبب شدة الحر الناتج عن الصفيح.
تضيف نجلاء:"وحتى في الشتاء لا تسلم صحتنا، فالبرد الشديد إلى جانب الثقوب والفتحات الواسعة في الزينكو تتسبب في غرق المنزل بمياه الأمطار".
ترقيع
مع استمرار تعرض الزينكو للتقلبات الجوية، تسبب ذلك في تلك الفتحات الواسعة في الزينكو وذوبان أجزاء كبيرة منها، فعمل المواطنون من سكان بيوت الصفيح على ترقيع هذه الفتحات بالقماش والأغطية والمفارش، علّها تستر الأجساد التي تتكدس في 30 متراً هم غرفتين وساحة بيت أو ما يشبه ذلك.
باب المنزل عبارة عن خشب متآكل، حركة هواء عادية كافية لجعل البيت مطلاً على الشارع، أما المطبخ فبعض من صفيح قديم، والغرفتين حالهما كما باقي البيت، سقف وجدران من صفيح متآكل وأرض رملية يسترها حصيرة قديمة وفرشات بالية.
كل هذا علاوة على الوضع الصحي المتردي للمنطقة كلها، فبيوت الزينكو على هذا الحال تزدحم بالملوثات الحشرات والقوارض والذباب الذي يشاطر الناس حتى طعامهم وشرابهم.
بين طيات الحديث أومأت السيدة بيدها نحو دورة مياه صغيرة في أخر البيت وقال "بقينا بلا حمام ثلاث سنوات إلى أن بنته لنا جمعية خيرية، و حتى الآن بيتي بلا ماء ولا كهرباء".
غياب أساسيات
وشرحت :"ننتظر حتى مجيء المزارعين ليفتحوا الماء على أراضيهم لتعبئة المياه، أما الكهرباء فنحن نستعيرها من الجيران بقدر لا يتجاوز إنارة لمبة واحدة".
فصل الشتاء مأساة خاصة لهذه العائلات، فسقف البيت الملىء بالفتحات يغرق البيت ماء، ويبتل الفراش كله، فتتجمع الأسرة كلها في غرفة واحدة، علاوة على شدة البرد.
تحدثت نجلاء كذلك عن معاناة ابنتها التي تضطر للسير قرابة الثلاثة كيلو متر لتذهب لمدرستها، فبيتهم بمنطقة زراعية وزوجها متعطل عن العمل، ويسعى خلف رزقه عربة كارو يجرها حمار، لا يتجاوز دخله الخمسة عشر شيكل يومياً.
يشار إلى أن نسبة المتعطلين عن العمل في قطاع غزة بلغت 65% بين الشباب والخريجين في نهاية عام 2014 ، حسب تصريحات اللجنة الشعبية لمكافحة الحصار على قطاع غزة.
بين تعرجات أزقة حي الزينكو غير المنتظمة بفعل البناء العشوائي لبيوت الزينكو، وصلنا أسرة أم علام والتي تتكون من ثمانية أفراد أصغرهم لم يتجاوز الثمانية أشهر مصاب بعدة أمراض جلدية لافتقار بيتهم للماء الذي ينظفوا به أنفسهم وأطفالهم.
فقر ومرض
لأم علام قصة معاناة أخرى، فسقف الزينكو سقط منه عدة أجزاء وخزان المياه تضرر في العدوان الأخير على غزة، والآن تعتبر أم علام بيتها غير آمن وكذلك بقيت العائلة بلا ماء.
في باحة المنزل أو ما يشبه ذلك، تقضي ابنة أم علام وقتها باللعب، محاولة تمضية الوقت لتتناسى مرضها، فالطفلة التي لا تشعر أمناً ولا راحة مصابة فوق كل هذا بمرض"تضخم البطينين الأيمن والأيسر"، أما شقيقتها التي تصغرها فمصابة بالسرطان.
تشتكي أم علام وضعها:"نعيش هنا منذ خمس سنوات، هدم بيتنا أكثر من ثلاث مرات، ولا نجد مفراً من العيش فيه لسوء وضعنا الاقتصادي فزوجي عاطل عن العمل وأبنائي صغار يحتاجون مأوى".
لا تختلف ظروف عائلتي نجلاء وأم علام عن باقي الأسر في حي الزينكو، فالفقر والمرض وتدني المستوى المعيشي للاسر قاسم مشترك، وغياب الدور الحكومي عن حل مشكلة هؤلاء المواطنين يفاقم معاناتهم.
تقول أم علا:" عانت إلى أن تمكنت من تسجيل عائلتي بشيكات الشؤون الاجتماعية، بسبب إهمال الباحثين ورفضهم زيارة البيت ميدانياً لتقييم الحالة بشكل دقيق ومنحنا المبلغ المناسب".
تشير إلى أنه من المفترض أن يحصلوا على شيك يزيد عن 1000 شيكل بسبب وضعهم المادي، ورغم أن هذا المبلغ بالكاد يستر الحاجات الأساسية، ولكن حتى هذا تعرض للتقليص.
يشار إلى أن عدد الأسر المستفيدة من شيكات الشؤون الاجتماعية 120الف أسرة فلسطينية و77ألف أسر تعيش داخل قطاع غزة وأن قيمة شيكات الشؤون الاجتماعية لا تقل عن 750 شيكل ولا تزيد عن1800 .
وبينما تتواصل معاناة سكان بيوت الصفيح أو ما يعرف بالزينكو، يبدو أن الأمر يتطلب تدخلاً حكومياً ومؤسساتياً من اجل إنقاذ هذه العائلات من وضع سيصبح أتعس مستقبلاً.
