الغالبية العظمى من الشعب الفلسطيني في حالة استنفار كامل على مدار الساعة وتبحث عن شيء ما يعزز هذا الاستنفار، فبمجرد ان تبدأ بلدية بحفر شارع استعداداً لإعادة تأهيله تتعزز حالة الاستنفار بأن المشروع سيأخذ ستة اشهر بدلا من المدة الزمنية المعلنة، و»البلدية لم تختر الا بداية الصيف، كان أجلت للشتاء»، واذا عملت في الشتاء «فإنها ستلبص البلد، تستنى الصيف»، واذا بقيت مكتوفة الأيدي ولم تفعل شيئاً توجه لها الدعوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي لزيارة المدينة للتعرف على مشاكلها من باب الاستهزاء والاستخفاف.
وتتصاعد حالة الاستنفار باتجاه الاستخفاف بكل مبادرة أو خطوة إلى الامام تترك آثاراً إيجابية على المجتمع أو على فئة من المجتمع، بالتأكيد هؤلاء حصلوا مبالغ طائلة ولولا ذلك لما قاموا بخطوة، بالتأكيد هؤلاء يسعون لنيل رضا شخص هنا وهناك ولا يسعون لخير البلد.
وتتصاعد حالة الاستنفار باتجاه تضخيم الأنا على حساب الكل وربط المصلحة العامة بتحقيق مصلحة شخصية ولا تعبر عن الروح الجمعية في المجتمع، وعندما تتضخم الانا يصبح الشخص يظن انه المبدع الوحيد والمبادر الوحيد وأنه محور المجتمع ومن عنده تبدأ الأمور وبه تنتهي.
وترى التاجر مستنفرا والمستورد مستنفرا وجميعهم يظنون انهم يمتلكون الحقيقة المطلقة، ويعبرون عن هذا الاستنفار من خلال التشهير بالمنتجات الفلسطينية وخطوات الاستثمار في فلسطين، ولا يقيمون لها وزنا على اعتبار انها لن تقوم لها قائمة مطلقا، بينما ما يسوقونه ويروجون له هم يعتبر فوق أي شبهة وهو الجودة بعينها وهو النكهة الطبيعية.
وترى مثقفا مستنفراً لا لشيء الا لأن مثقفا آخر اصدر كتاباً لاقى رواجاً فبات يحاربه من منطلق ان هناك من يقف وراء شجرته وصنع منه مثقفاً وهو بعرفه لا يستحق، وآخر مستنفراً لأنه يريد أطرا ثقافية تكون على مقاس رؤيته التي وضعها مسطرة يقاس بها.
وأكاديمي تراه مستنفرا لأن جامعات الوطن لم تعد تتسع لعبقريته ولم تتمكن من الاستفادة من إبداعاته التي لا زال يركض خلفها من هم وراء المحيطات بينما الوطن لا يقيم له وزناً، والمصيبة انك لو بحثت عبر ادوات البحث على الشبكة العنكبوتية لن تجد رابطاً واحداً يشير اليه بالعربية ولا بالانجليزية.
التقينا بمحض الصدفة البحتة، واذا بنا ننقسم إلى فريقين فريق يطالب صاحب المكان بإغلاق التلفاز على اعتبار أن كل ما يبث تعبير عن أجندات ولا تخاطب العقل وتقبل بالرأي والرأي الآخر، وفريق يرى أن التعددية مشروعة ويجب الحفاظ عليها وفهمها، ودار النقاش بصورة وضعتني في موقع اطلع فيه على رأي أناس بسطاء لا ينتصرون لزيد أو عمرو، ولكنهم يرون الأمور كما تصلهم ويعبرون عن انتصارهم لمشهد مر أمامهم، وهذا ليس ذنبهم وليس انتقاصاً من وعيهم ولكنهم فئة مهمة وبالغة الأهمية عددياً وتأثيراً، هؤلاء لا يجتهد الساسة ولا المثقفون للوصول اليهم والحوار معهم.
الناس في بلدي بطبعهم طيبون وضد الاستنفار غير القائم على حق، اذ يقدرون عاليا يوم النظافة الوطني الذي نظمته بلدية رام الله للتركيز على روح العونة والعمل التطوعي، وهم يقدرون عاليا مبادرات من أمثال معرض الكتاب الشعبي الذي نظمته بلدية البيرة، وهم يثمنون تبرع أبناء بيتونيا في الولايات المتحدة بـ 138 الف دولار لصالح مجمع فلسطين الطبي في رام الله، وهم يعتبرون أن المبادرة للاستثمار في الوطن من قبل مجموعة من المبادرين من بلاد الغربة خطوة رائعة، يقدرون عالياً مشاركة فلسطينية في معرض ميلان لضمان حضور فلسطين بقوة، ومشاركة في معرض للصناعات الفلسطينية في الكويت، شعبنا يقدر عالياً عندما يرى حضوراً فلسطينياً صناعياً لشركة بعينها في السوق العربي والدولي ولا يقلل من أهميته.
أزمتنا في مجموعة ولكن ....
ولكن كان بالإمكان أفضل مما كان لو أن ابو فلان كان على رأس التحضيرات لهذا النشاط، وابو فلان نايم في العسل ليس جاهزاً عملياً ان يقوم بخطوة الى الأمام، ولكنه يشجع الماكينة الإعلامية المحيطة لتطرح مجموعة من «ولكن». ولكن كان أفضل لو أبلغتموني لأبلغت اصدقاءنا في هذا البلد أو ذاك لصوبوا الوضع، وطبعاً هؤلاء لو قرعت بالطبل أمام منازلهم او مكاتبهم لن ولن يحركوا ساكنا.
ازمتنا في مجموعة المستأجرين ...
المستأجرون هم الذين يؤجرون عقولهم وسواعدهم لقطاعات أو مجموعات تتضرر من نجاحات تصنعها النقابات العمالية أو مجموعة الضغط والتأثير لتحقيق بيئة مميزة ليعيش فيها الإنسان الفلسطيني، فيدفع هؤلاء «ضمن منطق الإيجار والاستئجار» لتشويه قصة النجاح أو المس بالأجسام المشكلة لحساب هذا أو ذاك، والخشية أن تكون الإيجارة لجهات لها دوافع تتناقض جذريا مع أهداف ورؤية المجتمع ومستقبله فيقع المحظور، وقد تصل الأمور لاستنفار أشخاص بحكم مواقعهم للانتصار للون الحبر ومدى تنسيق هذه الورقة أو تلك وهم لا يعلمون من يقف وراء اولئك المستأجرين.
نحن والمستنفرون دون سند منطقي
تاريخ النشر : 2015-05-09 19:51
