بقلم - محمد العامري
الفكرة التي ينزاح اليها القطيع قائمة بالدرجة الأولى على الخوف، أي الاستعداد الدائم من خلال الجماعة الضعيفة لتصبح حزمة واحدة لحماية بعضها بعضا، تلك الثقافة ظهرت في العصر البدائي الذي كان الإنسان فيه يخاف الظواهر الغرائبية التي لم يكن لديه معلومات عنها، لذلك كان يصطف مع الحشد كي يحمي نفسه من هذا الخطر.
وتوالت فكرة القطيع في السياسة والاقتصاد وصولا إلى الفعل الثقافي، لكن القطيع الثقافي لم يتورط بمفهوم القطيع الاعتيادي، بل الذي تورط فيه هم «المستثقفون» الجدد الذي لم يسجلوا في حياة دماغهم كتابا مهما للقراءة مثلا، بل يحكمهم الانغلاق والخوف من الانفتاح على تجارب الآخرين الحارّة والجارفة، كون «القطيع المستثقف» لا يمتلك سوى نصوص ضعيفة محمية بشكل آني عبر مؤسسات أو أفراد يمتلكون السلطة، وتمتلك تلك الأعمال وهما كبيرا بوجود الحماية، التي هي بالأصل جزء من القطيع أو ما يسمى «المرياع»، أي رأس القطيع الذي يحمل الجرس لقيادة القطيع إلى مناطق العشب، وليس للقطيع رأي في نوع العشب أو المكان الذي يختاره المرياع.
وقد أشار علماء الأنثروبولجي وعلماء النفس إلى ظاهرة القطيع في الحياة الإنسانية، على أنها ظاهرة جاءت نتاج ثقافة السماع أو الثقافة الشفهية التي تعتمد على الإشاعة وما يقوله الآخرون دون فحص أو اختبار أو محاولة للتأكد من المعلومة. وبهذا المعنى تكون ثقافة القطيع ثقافة من لا ثقافة له.
ومن يضع عقله وموقفه في صناديق مغلقة من غير الممكن التصريح بها لأنها تشكل خطراً عليه من القطيع نفسه، فعليه أن يتقن مفهوم الانقياد الأعمى بلا عكاكيز معرفية، بل يجب أن يفهم «مستثقف القطيع» أنه آلة إنسانية تساوي صفرا بمفردها وتمتلك أهميتها الواهمة عبر الحشد الواهم والجماعة المضللة، بل إن «القطيع المستثقف» يتقن بمهنية عالية ثقافة الإقصاء، كونه لا يحتمل حقيقة المثقف الرواقي الذي يمتلك رأيا، فهو دائم العمل والثرثرة والعمل على مفاهيم الإقصاء لنور النصوص الأخرى، كونه يعرف أن النور سيجعله في الظل، بل يصبح ماكثا في ليله يأكل من ضعفه ومن هشاشة ما يقوم به عبر القطيع، وهو أيضا غير قادر على المشاكسة والحوار، فكم مرة دعونا قطيعا للحوار وولى هاربا من ذئب المعرفة الصادم.
وقد حبرت الثقافة الشعبية تلك الثقافة البائسة من خلال خلاصة الأمثال التي درجت في السياق الشعبي مثل: «امشي الحيط الحيط وقول يا رب الستر»، و»بوس الكلب على فمه حتى توخذ غرضك منه»، وأسرفت تلك الأمثال في اندراجها في الفهلوة الإنسانية لتصبح صفة من صفات «المستثقفين».
بل بالغ القطيع المستثقف في خوفه ليمتنع عن مشاهدة قوة الآخرين في الأمسيات والمعارض، ولا يذهب منفردا إلا من خلال جماعة القطيع إلى الأحداث الثقافية التي تشبه مستواه المعرفي الهش، حتى لا يشعر بالرعب والهلع من الآخر القوي، فالوهن من صفاته، حيث يخاف الانفراد بذاته خوفا من استفراد «ذئب» ثقافي فيه.
كنت أراهم مدججين بأمراضهم وخوفهم والإسراع في المغادرة إلى مركباتهم خوفا من الآخر.
.. مستثقفون يهتزون خوفا ووجلا من صدمة النص، كونه لا يمتلك أداة الحوار، ولا يمتلك الجرأة على المواجهة محصّناً بالغيبة واستغابة الآخر، فحين يحضر الآخر يصاب بالخرس الثقافي والتقهقر باتجاه القطيع الخائف.
لقد أصبح المستثقفون على سطح الوجه الثقافي، أي يمثلون المكياج المشهدي للثقافة الأردنية، ويصابون بالزوال في أول زخة مطر حقيقية، فهم لا يتحملون الثبات كونهم في منطقة الزيف الثقافي والاجتماعي، والأنكى من ذلك أنهم يعتقدون أنهم مقبولون لدى تلك القطاعات، رغم أن الانتقادات الجارحة لا توجَّه إلا لهم، فمنهم من يختص بحمل الحقائب، وآخرون يختصون بتزييف الحقائق، وهناك من يختص بالكذب والتغرير بالضعاف لحماية موقعه المهزوز بالأصل.
وأكثر ما يخشى هؤلاء أن ينظر المرياع إليهم بعين غضب، حيث يصابون بانهيار تام خوفا على مواقعهم المتحركة بالأصل. ونجدهم لا يتحركون إلا من خلال ردة الفعل السريعة، ويخافون الإنجاز، كون المنجز الحقيقي يكشف عوراتهم الثقافية.
إن البؤس الذي يتحرك فيه «المستثقف» يعبّر عن بؤس عام لا يستطيع الفكاك منه.
ولدى «القطيع المستثقف» خوف هستيري إضافة إلى عدم الثقة بكل ما يراه جديدا من الأشياء كونها تحمل بوادر التغيير, فالقطيع لا يملك قدرة الرؤيا والتمييز بين الصحيح والخطأ، فهو في عماء تام يتمتع بعتمته كخفاش يخشى الضوء، وهو الأقرب إلى سيكولوجيا الحشد, التي تتمثل في التعصب لأفكار الجماعة الخائفة.
لكن المثقف الرواقي حاضر دوما في نصه الإنساني العالي، الذي يشكل رعبا غريزيا ل»مستثقفي القطيع».
