الأول من مايو والتحولات في بنية الطبقة العاملة
تاريخ النشر : 2015-05-02 00:42

بقلم - د. حسن مدن

في مقالة قديمة للقائدة العمالية الألمانية في القرن التاسع عشر، روزا لوكسمبورغ، كتبتها في عام 1894، ونشرت للمرة الأولى باللغة البولندية، وقام الشاعر العراقي سعدي يوسف بترجمتها إلى العربية نقلاً عن "الكتابات السياسية المختارة لروزا لوكسمبورغ" باللغة الإنجليزية والصادرة في نيويورك عام 1971.

في هذا النص تتقصى روزا لوكسمبورغ الجذور التاريخية لفكرة الأول من مايو، عيد العمال العالمي، لتذهب بها بعيداً عن الانطباع السائد من نسبة هذا اليوم لأول مرة لإضرابات العمال في شيكاغو عام 1886. تقول لوكسمبورغ أن الفكرة السعيدة في استخدام احتفالية العاملة البروليتارية وسيلة للحصول على يوم عمل ذي ثمان ساعات ولدت أولاً في أستراليا، إذ قرر العمال هناك سنة 1856 تنظيم يوم للتوقف الكامل عن العمل مصحوب باجتماعات وتسليات، تأييداً ليوم عمل ذي ثمان ساعات. في البداية كان مقرراً أن يكون هذا الاحتفال في الحادي والعشرين من أبريل / نيسان، وكان العمال الأستراليون يريدون أن يحتفلوا هذا الاحتفال للعام 1856 فقط، لكن الاحتفال كان له وقع شديد على جماهير البروليتاريا في أستراليا، رافعاً معنوياتهم، ودافعاً إياهم نحو تحريض جديد، وهكذا تقرر أن يقام الاحتفال كل عام.

تطرح روزا لوكسمبورغ السؤال التالي: "ماذا يمكن أن يمنح العمال شجاعة أكثر، وإيماناً بقوتهم، غير توقفٍ تامٍ عن العمل، قرروه بأنفسهم، وماذا يشجع الأرقاء المؤبدين للمعامل والمشاغل غير تعبئة قواتهم الخاصة؟". وهكذا جرى التقبل السريع للاحتفال البروليتاري، ومن أستراليا بدأ ينتشر في البلدان الأخرى، حتى شمل العالم البوليتاري بأسره. وأول من حذا حذو العمال الأستراليين كان العمال الأمريكيون. ففي عام 1886 قرروا أن يكون الأول من مايو يوم توقفٍ كامل عن العمل، وفي ذلك اليوم ترك مائتا ألف منهم عملهم مطالبين بيوم عمل ذي ثمان ساعات. فيما بعد منعت الشرطة والمضايقات القانونية العمال، ولعدة سنوات، من إعادة تظاهرة بهذا الحجم، لكنهم في نهاية عام 1888 جددوا قرارهم أن يكون الاحتفال القادم في الأول من مايو/آيار 1890.

سيحذو عمال أوروبا حذو رفاقهم في أستراليا والولايات المتحدة. في مؤتمر العمال العالمي الذي انعقد سنة 1890 وحضره أربعمائة مندوب تقدم مندوب النقابات الفرنسية باقتراح أن يكون مطلب حق العمل لثمان ساعات يومياً فقط مطلباً عمالياً أممياً، وقرر المؤتمر أن يكون الأول من مايو من كل عام إضراباً عمالياً حتى يتحقق هذا المطلب، وأن يتحول هذا اليوم إلى عطلة عمالية، وحتى بعد أن تم بلوغ هذا الهدف لم يجر التخلي عن الأول من مايو.

تختم روزا لوكسمبورغ مقالتها بالعبارة المدوية التالية: "وحين يطل فجر أيام أفضل، حين تبلغ الطبقة العاملة العالمية غاياتها، فآنذاك أيضاً، قد يجري الاحتفال بالأول من مايو/أيار على شرف النضال المرير، وعذابات الماضي الكثيرة".

هذه كانت نبوءة ولكن نبوءة القلوب العظيمة تتحقق بكل دقة وجلال كما يقول المفكر الفرنسي أناتول فرانس. والطبقة العاملة رغم أنها لم تحقق كل ما تطمح إليه، لكنها حققت الكثير من حقوقها، ومازال الأول من مايو، الذي غدا عطلة رسمية في غالبية بلدان العالم، بما فيها بلدنا البحرين، يلهم الطبقة العاملة المثل الكفاحية الكبرى.

في عالم اليوم حدثت تغييرات جوهرية كبرى في بنية الطبقة العاملة بالقياس لما كانت عليه آنذاك، لا بل بالقياس لما كانت عليه في القرن الماضي، القرن العشرين، ففي ظل مجتمع ما بعد الصناعة وتحول قطاع الخدمات الى قطاع فاعل ومؤثر وربما اكثر حضورا من القطاعات الاخرى وفي ظل تزاوج الجوانب الانتاجية وغير الانتاجية في قطاع الخدمات لابد من التفكير بمفهوم جديد او تحديد طبقات جديدة ويطرح البعض مفهوم العاملين بأجر دون تحديد ما اذا كان هؤلاء العاملون صناعيين أم غير ذلك. يضاف إلى ذلك اليوم أن السوسيولوجيا السياسية الجديدة تتحدث عن شيء آخر اسمه: الحركات الاجتماعية الجديدة التي تتخطى التأطير "الطبقي" الضيق لتشمل فئات الشباب والنساء وأنصار البيئة ومعارضي التسلح والعسكرة والنفايات النووية، أي عن طيفٍ واسع متنوع من القوى التي تريد للحياة على هذا الكوكب أن تكون أكثر إنسانية وتسامحاً ونبلاً، بديلاً لما لحق به من عنف وعسف وخراب.

ثمة قضية أخلاقية مهمة، هي إلى أيّ مدى يبدو مقبولاً أن تتحمل أجيال بعينها تبعات سياسات مؤلمة، تعويلاً على أن هذه السياسات ستعطي أُكلها في حياة أجيال قادمة؟ فما ذنب جيل بذاته أن يتحمل الآلام، على أمل أن الجيل القادم سيقطف ثمار هذه الآلام، وهو أمر غير مضمون بدوره، على نحو ما برهنت عليه تجارب عشناها في عالمنا العربي ذاته.

ويمكن أن يُقرأ الأمر معكوساً أيضاً، فما ذنب الأجيال القادمة حين تفرط أجيال حاضرة في ثروات هي ليست ملكها وحدها، وإنما ملك لأجيال عدة؟ وأكثر ما ينطبق هذا القول على حال البلدان المصدرة للمعادن ومصادر الطاقة كالنفط مثلاً، حيث على أجيال اليوم أن تطرح على ذاتها هذا السؤال الأخلاقي عن نصيب أجيال المستقبل من الثروة؟

هذه أسئلة يمكن أن نستوحيها من تحليل جوزيف ستيغليتز الذي نال جائزة نوبل في في الاقتصاد، في معرض تحليله لما يدعوه "خيبات العولمة". فقد أمضى الرجل نحو سبع سنوات في واشنطن ليس بعيداً عن ولادة السياسة الاقتصادية الشاملة بصفته عضواً في إدارة الرئيس الأسبق بيل كلينتون ورئيساً لمجلس المستشارين الاقتصاديين، لكنه بصفته رجل علم وفياً لإخلاصه العلمي، أدرك أنه ما لم يجر استخلاص العبر الضرورية من الأخطاء، واستمرت العولمة تُدار بالطريقة التي أديرت بها في الماضي، وتُدار بها الآن، فإنها لن تؤدي إلى زيادة النمو فحسب، ولكنها في الآن ذاته، ستظل تنشر الفقر وعدم الاستقرار، وإذا لم يكن هناك إصلاح، فإن العداء للعولمة سيتفاقم.

إن العولمة في نظر الملايين من الناس زادت أحوالهم فقراً، لأن الكثيرين خسروا أعمالهم، وباتت حياتهم أقل أماناً من ذي قبل، وأكبر الخاسرين من ذلك هم سكان العالم النامي، لكن تداعيات سياسية أخرى أكثر شمولاً ستطال العالم المتطور أيضاً .

وإذ يدعو الرجل إلى عولمة ذات وجه إنساني، فإنه يعترف بأن تغيير النظام الاقتصادي العالمي ليس أمراً سهلاً، "فالبيروقراطيات هي كالأفراد: تكتسب عادات سيئة ونتألم عندما يتوجب تغييرها"، ولكنه يرى أن الإصلاحات ضرورية، وممكنة أيضاً . وهذه الإصلاحات بحاجة إلى دولة فعالة، ذات سلطة قضائية قوية ومستقلة، شفافة متحررة من الفساد الذي يقضي على الفاعلية في القطاعين العام والخاص معاً، وهي آفة الآفات في البلدان النامية.