مقرن.. الأمير الذي لم يرد أن يكون ملكا
تاريخ النشر : 2015-04-30 01:08

لم يتفاجأ الكثيرون من قرار عزل ولي العهد السعودي الأمير مقرن بن عبد العزيز بقدر ما تفاجأوا من توقيت وطريقة إعلانه، فالمطلعون على خبايا الأمور يقولون إن “الانقلاب” الذي جرى بعد وفاة الملك عبد الله كان أطاح حينها بمقرن تماما كما أزاح نجل الملك الراحل متعب وعددا من أبناء ولي العهد الراحل سلطان، بيد أن مشاعر القلق التي أبدتها بعض الدول الحليفة للسعودية من خطورة التحولات الجذرية في هرم السلطة، دفعت إلى تعديل طفيف في صيغة “الانقلاب” لطمأنة الأصدقاء وضمان دعمهم لقرارات العهد الجديد، وبناء عليه، تم تبني صيغة “انقلاب على مرحلتين” حيث تم الإبقاء على مقرن مؤقتا على أن يتم إعفاؤه في وقت لاحق، إلا أن المرحلة الثانية من هذا المخطط بدأت أبكر مما كان يتوقع الكثيرون، فما الذي سرع بإقصاء مقرن من دائرة الحكم في السعودية؟

يقول ديبلوماسي مخضرم عرف مقرن وتقاطع معه في عدة ملفات خلال العقدين الماضيين، إن الأخير “بدا عازفا عن السياسة وغير مستعد لخوض أي معركة للبقاء في منصبه”، عندما التقاه آخر مرة، “لم يكن منذ عرفته طالب حكم، لكن المؤشرات كانت واضحة أكثر من أي وقت مضى، بأن الرجل لا يعنيه أن يكون ملكا، والسبب ليس عزله من قبل الجيل الثاني من الأمراء كما يعتقد الكثيرون، وإنما لخلاف عميق معهم حول طريقة التعامل مع القضايا التي تواجهها المملكة، خلاف كان موجودا في عهد الملك عبد الله، لكنه زاد خلال حكم خلفه”.

يعترف الديبلوماسي بأهمية عوامل الدم والقرابة في هذا التغيير من قبيل عدم انتماء مقرن للجناح السديري في العائلة، وكون والدته يمنية الأصل، لكنه يرى أن “عناصر أخرى في شخصيته ومواقفه كانت ستدفع إلى مواجهته من قبل الصف الثاني آجلا أم عاجلا”.

أول تلك العناصر – يقول الديبلوماسي المخضرم – أن مقرن “كان دوما ضد تدخل المملكة في شؤون دول الجوار، خاصة إذا كان هذا التدخل محكوما باعتبارات طائفية أو غير محسوبة العواقب، كما يحث الآن في اليمن”، ويذكر الديبلوماسي في هذا السياق أن مقرن كان ضد دعم الميليشيات السنية في العراق، وأن المرة الوحيدة التي تدخل فيها لدعم جهة سياسية في بلاد الرافدين “كان لصالح رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي، وهو كما يعرف الجميع علماني وينحدر من أصول شيعية”، كما عارض بشدة دعم الجماعات المتطرفة لمحاربة النظام السوري “لأنه كان يرى أن هذا الأمر سيرتد بالسوء على المنطقة والمملكة. وتناسقا مع موقفيه في العراق وسورية، وقف مقرن بشكل يكاد طبيعيا ضد “عاصفة الحزم” معتبرا أنها لن تحمل الحل لليمن ولا الأمن للسعودية”.

وأمن السعودية كان هاجسا يؤرق مقرن، يقول الديبلوماسي، “قراءته للأمر تختصر في كون الأخطار التي تواجهها السعودية موجودة في داخل المملكة أكثر من محيطها الإقليمي، هو يعتبر أن السعودية لن تستطيع مواجهة تحديات الداخل وتغيرات المستقبل إلا عبر سياسة تنموية طموحة تعالج الاختلالات في المجتمع السعودي وتهيء البلاد لمرحلة ما بعد نضوب النفط أو تراجع أسعاره، “ورغم أن كثيرا من خطب المسؤولين السعوديين حافلة بكلام من هذا النوع، إلا أنه ليس هنالك على الأرض ما يفيد بتوجه حقيقي نحو تنويع مصادر الدخل أوتحسين معادلة توزيع الثروة بين السعوديين”.

يرى الديبلوماسي أن مهنة مقرن كطيار حربي “تجعله براغماتيا وميالا إلى حساب خطواته بعيدا عن أي ارتجال أو تسرع، عندما تقود طائرة حربية، لا يجب أن تكون مجازفا أو مغامرا، يجب أن تقرأ جيدا المؤشرات على لوحة المفاتيح، وعوامل الجو والطبيعة، وأن تتبع الإحداثيات لكي لا تخرق مجالا جويا لدولة أخرى، وأن تدرس الهدف بدقة قبل أن تضغط على الزناد، وهذا كله كان في طبع مقرن، وكل ما يحدث الآن في المملكة يمضي في اتجاه معاكس لطبعه وقناعاته”.

يقول الديبلوماسي إن مقرن من الأشخاص القلائل في العائلة الحاكمة الذي يتحدث بوضوح وصدق ونزاهة، على عكس أغلب المسؤولين السعوديين، تخرج بعد لقائك بالأمير مقرن بفكرة واضحة عن موقفه، وعما ما يريد أو لا يريد، وعن طريقة تفادي مالا يريد أو الوصول إلى ما يريد. الأمير مقرن لا يتنمق في الحديث، ولا يستعمل الصياغات الغامضة، بل يعبر عن رأيه بشكل مباشر وصريح وشفاف، والأمريكيون مثلا يعرفون جيدا مواقفه المنتقدة لسياساتهم في المنطقة”.

لا يريد الدبلوماسي الخوض في معاني وتأويلات إعفاء مقرن، لكنه لا يتردد في القول بأن “السعودية والمنطقة ستفقدان بخروج مقرن من دائرة القرار رجلا حكيما وأكاديميا مطلعا وسياسيا ذا رؤية”.