عاصفة التمويل الأجنبي
تاريخ النشر : 2015-04-27 00:12

بقلم – مصطفى السعيد

هبت على الفكر والإبداع المصري عاصفتين ترابيتين مدمرتين خلال أقل من 10 سنوات، الأولى في أواخر السبعينات، وانطلقت من منطقة الخليج، مندفعة بقوة الإرتفاع السريع لأسعار النفط، لتجد تربة سياسية وإجتماعية ملائمة في مصر، هيأها السادات بالانفتاح الإقتصادي وكامب ديفيد وإطلاق الإخوان والسلفيين، وقد غطت أتربة هذه العاصفة كل أنحاء مصر، وبدلت ذوقها وقيمها، وأطاحت بمكانة العلم والإبداع، لتحل محلها الخرافات والفهلوة، وتحولت دروس شيوخ السلفية في المساجد إلى منبع رئيسي لثقافة قديمة جرى انتشالها من مكب نفايات الففكر الإسلامي في أحط مراحله، ليعاد تدويره ونشره، ليفرض هيمنته على المجتمع.

أما العاصفة الثانية فكانت "التمويل الأجنبي" الذي بدأ يتسلل على استحياء في أو اخر الثمانينات، واستهدف في البداية مجموعات يسارية، ماركسية ثم ناصرية، ليتسع بعد ذلك ليشمل نخبا الليبرالية وشخصيات مرتبطة بالنظام ، حتى بات من الصعب أن تجد منبرا إعلاميا أو ثقافيا أو سياسيا لم تضربه "عاصفة التمويل".

ولأن نخبة المثقفين في مجالات السياسة والثقافة والإعلام هي خط الدفاع الرئيسي أمام أي هجمة إستعمارية، فقد جاء استهداف هذه النخبة بمختلف توجهاتها وتخصصاتها لتضف من المناعة الوطنية أمام أي ضربات قادمة للعمق الوطني المصري.

وبدلا من أن تلعب النخبة دورها في كشف ومحاصرة أي فيروس يصيب الجسد الوطني، انقلبت إلى العكس، لتشارك في مهاجمة خلايا الجسد الحية، وتقضي على ما تبقى من مناعتها.

جاءت "عاصفة التمويل" القادمة من أوروبا وأمريكا، لتلتقي بالعاصفة السلفية النفطية، ويتحولا إلى إعصار مدمر، يجتاح جسد نخبة مهددة بالتكفير الديني والوطني، وقيود حديدية تعرقل الممارسة السياسية الحقيقية، أو الانتاج الأدبي أو الفني المستقل والجاد.

وهكذا وجد الممولون نخبة مصرية مفككة ويائسة ومحاصرة، كغريق يبحث عن منقذ، فتعلق بعضهم بقشة التمويل، لتأخذه العاصفة إلى طريق جديد، مليء بالألغام.

تنوعت أساليب وأنشطة التمويل والجهات المتلقية، ما بين جمعيات أهلية خدمية، وأخرى حقوقية، وثالثة ثقافية، وفي البداية لم يكن الممولون يضعون أي شروط على من يتلقى التمويل، وكأنهم "بابا نويل"، الذي جاء بالهدايا إلى الأطفال البائسين واليائسين.

إنتبه بعض المثقفين لمخاطر التمويل مبكرا، ونظموا حملات أو كرس بعضهم جهده لمواجهة تلك العاصفة الجديدة، لكن قوة التمويل، وكثافته وتنوعه خلق حاضنة شعبية للتمويل الأجنبي، الذي بدأ يصل إلى آلاف الجمعيات والهيئات والمنظمات، وتمدد إلى جسد الجهاز البيروقراطي في الدولة، وأصبحت وزارات عديدة تعتمد على التمويل الأجنبي، وتخصص جزءا كبيرا منه كمكافآت لكبار الموظفين.

هكذا بدت عاصفة التمويل الأجنبي وكأنها اجتياح لا مفر منه، مثلما كانت العاصفة السلفية، والتي بدأت هي الأخرى تشارك في إقامة مشروعات خيرية وتنموية صغيرة في المناطق الأشد فقرا، مثل المستوصفات والعيادات ومراكز للدروس الخصوصية بأجور رمزية، حتى باتت جزءا من كيان دولة عجزت عن مد مظلة خدماتها إلى تلك البقاع البائسة، فتركت المهمة للسلفيين أو الجمعيات والمراكز المتلقية للتمويل الأوروبي أو الأمريكي.

وضعت بعض جهات التمويل الأجنبية شروطا لمنح التمويل، منها عدم معاداة إسرائيل أو الترويج لأفكار المنظمات الإرهابية، وفق تعريفهم الخاص عن الإرهاب، واستجاب المتمولون إما إجبارا أو إختيارا، وبدأ التوافق بين كثير من شركات "حقوق الإنسان" وسياسات الجهات المانحة، وتحولت المراكز الحقوقية إلى معاقل حقيقية للمعارضة، خاصة فيما يتعلق بالحريات السياسية والشخصية، بالمعايير الغربية، وهو ما أقلق الأجهزة الأمنية، لكنها رأت فيها مجدرد "دكاكين للسبوبة" تسكت أفواه مجموعات سياسية كانت محسوبة على المعارضة، وسمحت لها بهامش من الحركة لا يزعجها كثيرا، لأن مهاجمتها وتقييدها قد يفتح على النظام نار الهجوم من الإعلام والسياسيين الأجانب، الذين يحرص النظام على رضاهم.

لكن التمويل الأجنبي لم يقف عند هذا الحد، بل خطا خطوات أشد خطورة، من خلال منظمات ومراكز تنظم دورات تدريب على الممارسة الديمقراطية ومواجهة النظم القمعية، وكأن الممولين بدأوا يجهزون لجماعات ضغط جديدة، من الشباب المدرب والمتحمس للتغيير، وهو ما كان قد تم تجربته بنجاح في الثورات البرتقالية، التي أطاحت بأنظمة سياسية لا يرضى عنها الغرب، وهناك تقديرات متفاوتة لأعداد من تم تدريبهم، تتراوح بين عشرات إلى مئات الآلاف، لكنها في النهاية كانت مؤشرا لأن التمويل الأجنبي تجاوز الخطوط الحمراء.

إن إنشاء حزب سياسي يكلف الكثير من المال، الذي لا يملكه الشباب ولا الفئات الشعبية الفقيرة، التي لا تجد من يعبر عن همومها، ويحتكر رجال الأعمال والمتلقون للتمويل الأحزاب السياسية والمنابر الإعلامية، وهو وضع بالغ الخطورة في ظل الأزمة العميقة التي تعاني منها صحف وتلفزيون الدولة.

هكذا تتسلل نسائم التمويل رقيقة في البداية، لتتحول إلى عواصف وأعاصير، تتخلل الثغرات التي تتركها أجهزة الدولة الفاشلة، التي لا يعنيها سوى مصالحها المباشرة، ثم تقتلع هذه العواصف النخب الوطنية، لتضع أخرى تعتمد على أموال التمويل أو رجال الأعمال الطامحين لتوسيع نفوذهم، وعادة ما يتلاقى الطرفان، ليعتلي الفاسدون والمتمولون

ساحات السياسة والإعلام والثقافة، ليصبحوا دولة داخل الدولة، وربما دولة بديلة عن الدولة.