ظاهرة جورج وسّوف.. إعادة تأليف اللحن
تاريخ النشر : 2015-04-25 01:35

بقلم - علي نصار
كمعظم الظواهر الفنية، شكّل جورج وسّوف حالة إشكالية لافتة! إنما، الذي ميَّز تجربته عن الآخرين، هو تخطيها للمألوف كونها لم تستكن مع مرور الوقت. لقد صمدت شهرته وما زالت أغانيه منتشرة بين معظم الطبقات والأعمار والفئات الاجتماعية في البلدان العربية... لا بل إنه من النجوم النجوم، الذين لديهم أتباع ومريدون ومهووسون بحياتهم وأعمالهم... وفي الوقت عينه هو محط نفور لا بل استهزاء من قِبل كثيرين! وهذا لم يتغير طيلة ثلاثة عقود ونصف تعاقب عليها عشرات النجوم «سريعو الانطفاء» ومئات المشاهير الذين سوّقهم الإعلام، بشكل مفتعل، ولما أطفئ عنهم الضوء ناموا. ثلاثة عقود تَبَدَّل فيها صوت الوسّوف، أكثر من مرة، وكذلك ضروب الغناء السائدة وذائقة المستمعين وطبيعة التعاطي مع الموسيقى، تلقّيا وآداء... ورغم ذلك حافظ «أبو وديع» على مركزه وظلّ سلطان معجبيه من دون أي لهاث خلف الأضواء، كما يفعل غالبية «النجوم» الذين يستجْدون الظهور استجداءً، إنما، المستغرب، انه ما زال خارج إطار النقد الفعلي من قبل المتخصصين أو، على الأقل، ما زال خارج لائحة الدوريات الجادة أو الصفحات الثقافية! ولأسباب قد يكون لها علاقة بحياته الشخصية أو طبيعة الجمهور «الأول» الذي رفعه الى مستوى النجومية، أو ربما بسبب الأماكن «الشعبية» التي انطلق منها والتي تعتبر «أدنى» من الأمكنة التي تشهد صولات وجولات المحظيين عند المؤسسات النخبوية وإعلامها». وقد يكون هذا مفهوماً ومبرراً في حقبة سابقة.. إنما ليس اليوم!
أولا، جمهور اليوم، لم يعد يكتفي بالتصفيق خلال العرض الغنائي، كما في السابق! وطبيعة المكان الذي يقام فيه الحفل لم تعد معيارا لقيمة المغني، فلقد اختلط النخبوي بالعام، مصطنعا كان أم فعليا. صار جمهور الحفلات الموسيقية يهدف الاستمتاع بالمشاركة والتواصل أكثر من الاسترخاء والاستماع. صار يغلِّب الذاتي على الكلّي او، على الأقل، يسعى الى ان يكون جزءا من النشاط الفني، ولو بالحدود الدنيا. فإنسان اليوم، الذي تخطب ودّه مئات محطّات التلفزة، ويحمل الهاتف الذكي كامتداد لعقله وقلبه يشعر، ولو متوهّماً، بامتلاكه مفاتيح المعرفة والتأثير المباشر في المسارات العامة. هذا الإنسان الفرد غير مستعدّ، ولو لساعات، أن ينكر ذاته ويتخلّى عن عالمه الخاصّ، من دون الإحساس بفاعليّة وجوده. لذا من الطبيعي ان يختلف، شكلا ومضمونا، عن جمهور القرن الماضي. فالتلقّي من موقع السالب لم يعد يغري انسان الألفية الثالثة، صار الفرد أكثر تطلبا ودخوله مطلق نشاط اجتماعي أو فني صار مشروطا، نفسيا، بإمكانية المساهمة والتاثير. تماما كالآليات التي تحكم التواصل الفايسبووكي. لذا، نرى الناس اليوم يقصدون أماكن أقلّ تقييداً، حيث يشعرون بالقدرة، ولو الافتراضية، على التأثير في ما يجري. (الفرق بين روّاد المسارح وروّاد الحانات التي تقدّم عروضاً فنّية، أشبه ما يكون بالفرق بين جماهير الأحزاب العقائديّة في النصف الأوّل من القرن العشرين وجماهير الأحزاب الديموقراطيّة في الدول الرأسماليّة اليوم). لم يعد جمهور اليوم، بمعظمه، يتّحد كجسد واحد رأسه الفنّان أو الفرقة الموسيقيّة على المسرح. لقد تفوقت متعة الامتلاء الفردي على الذوبان في جسد الجماعة. فإشباع الأنا المتضخمة للإنسان المعاصر صار المتعة المركزيّة. وهذا واقع ما زال يتجاهله كثيرون.
تجاهل
هناك نقّاد وكاتبون في الشأن الموسيقي، وبعض المسؤولين عن المؤسسات والدوريات الثقافية، ما زالوا قابعين في بوتقة العصر الذهبي لنجوم الغناء! حيث كان الجمهور يجلس على كرسيِّه مستلباً بجمالية الصوت والنغم وسحر النجم المعشوق... وحيث كان تدخله في المشهد لا يعدو عن المشاركة في التصفيق استحساناً! حتى ان البعض ما زال يعتمد على مستوى الجمهور الطبقي كمعيار أساسي لتصنيف الفنان! وهذا ما يجعل «القيد النخبوي» سيفا مسلطا وعائقا يلغي القدرة على الخيارات والقراءة النقدية... وكذلك تفعل المكابرة في رفض حقيقة ان المستمع صار «صاحب سلطة» في الحفلات الحية! وهذا هو السبب الأساسي الذي جعل الحانة والملهى يحتلان المشهد على حساب المسرح والمهرجان، خاصة بعد استفحال مواقع التواصل الاجتماعي التي جعلت «كل مواطن على صفحته صيّاح».
قد نجد مبررات وتفسيرات لكل من تجاهل جورج وسّوف في بداياته. حيث كان الغناء في المطاعم والحانات يعتبر «نقيصة»! أما اليوم، وبعدما أصبحت المسارح والدور النخبوية كمتاحف القرى، وبعدما «نزل» معظم المغنين الكبار، في كل العالم، الى الحانات... الى وسط المستمعين للتفاعل معهم... كيف نفسر التجاهل لا بل الاجحاف بحق شخصية فنية أثبتت حضورها، لأكثر من ثلاثين سنة، بتصاعد مستمر وعند معظم فئات المجتمع! أي أنها تجاوزت مرحلة «الفقاعات» التي تبرز في كل زمان ومكان.
مهما كابرنا وتجاهلنا... لن يُغفل التاريخ ان جورج وسّوف هو أول من أعاد «الأغنية الطربية» الى الساحة... وكان رائد إحيائها! بقصد منه او بغير قصد. إنها حقيقة دامغة، موثقة ومسجلة في الإذاعات والتلفزيونات والتسجيلات المباشرة، فمن عاصر بداياته يذكر كيف جلب مقاطع من أغنيات «الأطلال» و «لسة فاكر» و «أنا بانتظارك»... وجعلها تنافس على الـ «توب تن» وتحتل المراتب الأولى! في زمن كان الغناء الطربي نائماً في ذاكرة الأجيال السابقة، وأقصد هنا فترة الهبوط التي تلت رحيل عمالقة هذا النمط من الغناء في الثمانينيات. جورج وسّوف، وفي ذروة مرحلة الانحطاط السائد «عبر الأثير»، هو أول من جعل «العامة» من جيل الثمانينيات والتسعينيات يتذوّقون ويردِّدون الأغنية الطربية! وكلنا يذكر كيف ان أصواتا فائقة الجمال والقوة حاولت فعل ما فعله الوسّوف وفشلت... بمن فيهم أهم صوت عربي... أي وديع الصافي.
المغني
كثيرون ينفرون من صوت جورج وسّوف، خاصة في المرحلة الأخيرة، وقد أكون واحداً منهم.. وقد لا تعني لي خامة صوته شيئا على المستوى الشخصي! إنما هذا لا يمنع أن جورج وسّوف هو المطرب العربي الأكثر «اقترابا» من الإبداع خلال العقود الثلاثة الماضية - إذا ما ذهبنا الى المعنى الفعلي لكلمة إبداع - أي الإتيان بالجديد الخاص المتميز. فالمغني ليس فقط صوتا جميلا. المغني، المبدع، هو من يعيد تأليف الأغنية بعد الشاعر والملحن والموزِّع، والدليل على ذلك مئات الأصوات الجميلة التي فشلت في تقديم أغنيات خاصة بها.
لقد مرّ الكثير الكثير من الأصوات الشجية التي غنت أغان طربية.. من سعاد محمد ونجاح سلام وعزيزة جلال ومحرم فؤاد وصباح فخري وشادي جميل... وصولا الى عبد الكريم الشعار وعلي الحجار وأحمد دوغان ومنى مرعشلي وريما خشيش وعناية جابر وسميّة بعلبكي... واللائحة أكبر من ان تعدّ. إنما، بين هذا العدد الكبير من الأسماء، كم من المطربين أبتدع طريقة خاصة بالغناء؟ كم منهم أوجد لونا له؟ نستطيع عدّهم على الأصابع، كعبد الحليم حافظ مثلا! الطريقة التي أدى فيها عبد الحليم أغانيه لم تكن موجودة قبله، لقد كانت إبداعا صافيا وماركة مسجلة باسمه. ماركة جعلته قبلة للهواة، ومحترفي، الغناء الذين «اعتنقوا» طريقته ومن بينهم كثيرين يتفوّقون عليه بجمالية الصوت وقدرته... ولكنهم، في المحصلة، لم ينجحوا بتأليف لونهم. فكم من الأصوات أذهلتنا بغنائها أغاني عبد الحليم ثم، بمجرّد تجرؤهم على طرق باب الإبداع بأغنية خاصة، لفظتهم آلهة النغم. وكما عبد الحليم كذلك نصري شمس الدين وفيروز وصباح وأسمهان ومحمد عبد المطلب... جورج وسّوف ينتمي الى هذه الفئة من المبدعين.. بغض النظر عن الفوارق بين أصواتهم - من الناحية الجمالية والقدرة البيولوجية - لا بل إن جورج وسوف يتمايز عن هذه الفئة من المبدعين كونه الوحيد، خلال العقود الثلاثة الماضية، الذي ابتدع طريقة خاصة في الغناء على المستوى الطربي والشعبي. وحتى في الأشكال الأخرى من الغناء العربي، لم نر نجما واحدا من نجوم العقود الثلاثة الماضية له مقلدون و «أتباع» (يوجد اليوم على الساحة الفنية أكثر من عشرة مطربين محترفين يقلدون جورج وسوف تقليدا تاما! لم نتكلم هنا عن المئات من الهواة).
المطرب المبدع هو من يلون الأغنية بلونه، وقد تكون المهمة أصعب حين تكون الأغنية معروفة بصوت مغن آخر! المحكّ أن تغني أغنيتك.. ان تجعل الأغنية أغنيتك. كما فعلت فيروز أو ناظم الغزالي مع أغاني التراث. وهذا ما يتفوّق فيه الوسّوف على الجميع. فأي أغنية، مهما كان عصرها ونغمها وإيقاعها، حين تمر عبر حنجرته تصبح وسّوفيّة اللون والطابع، وبرأيي ان موهبة «أبو وديع» ليست في صوته، فخلال مسيرته الفنية تبدّلت طبقاته وطبيعته اكثر من مرة! حتى انها اختلفت لدرجة تعتقد معها ان «أصواته» المتعددة تعود لأكثر من شخص، فلا شيء يجمع بينها سوى نَفَس الوسّوف المميز ولمسته السحرية. من هنا نستطيع القول إن ميزته تكمن في القدرة على إعادة تأليف اللحن.. مطلق لحن. فكل أغنية تدخل الى مخبزه الخاص.. يكتب لها حياة أخرى. إنها ميزة امتلاكه لأذن موسيقية فائقة الحساسية وهذا ما يجعل لقب «سلطان الطرب» فيه بعض من الواقعية والمنطق، فالوسّوف يبالغ في تعشيق النغمة... في الانغماس بها حتى السلطنة.. في نثرها على كامل ذبذبات الحنجرة (حتى حين تكون هذه الحنجرة مريضة)... وبناءً عليه أتجرأ وأقول ان جورج وسّوف واحد من قلة قليلة «معصومة» عن النشاز! ولا أعتقد انه قد يسقط في هذه «الخطيئة» يوما، لأن الصوت الذي يغني به حاليا لا يصلح لبائع سمك.. وبالرغم من ذلك.. ما زال يبدع.